كيف نواجه اليمين المسيحي المتطرف؟

القس جون هيوبرز

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 27 تشرين الأول / أكتوبر 2002

 

     تعزو اميركا بشكل جزئي هويتها الوطنية الى انتشار اساطير قوية تعود الى اوائل تاريخها. ويرتبط كثير منها "بالآبل" الذين أسسوا هذه البلاد، بينما يرتبط بعضها الآخر بخبرات بناء الأمة. 

وقد تكون اقوى هذه الاساطير، تلك التي تطورت من جراء خبرة الريادين وانبثاق الامة. وان "بيان المصير" (Manifest Destiny)، كما يسميه علماء التاريخ، هو الاعتقاد بأن الاستيطان في تلك الاراضي الشاسعة غير المأهولة وترويضها من جانب المستوطنين الاوروبيين كانا حدثين تمّا بموجب مقاصد إلهية. والقصة هي كالآتي: هرب اناس رياديون شجعان من الاضطهاد الديني والسياسي الذي لاقوه في اوروبا، وواجهوا عقبات كبيرة في تحقيق احلامهم بوجود دولة حرة لمواطنين احرار في تلك البقاع غير المروّضة. ومن بين هذه العقبات، وجود سكان اصليين "متوحّشين" استخدموا وسائل ارهابية لاحباط مقاصد الرياديين. ولكن، بمعونة الله، استطاع هؤلاء المستوطنون الشجعان ان يهزموا "المتوحشين"، ويطردوهم خارج تلك الاراضي، على الاقل تلك الأراضي "الجيدة"، وهكذا مهدوا الطريق امام الذين كانوا قادرين بشكل افضل على استغلال المصادر التي وهبهم اياها الله في تلك الاراضي. 

لكن العلوم والمعارف الحديثة فضحت ادعاءات هذه الاسطورة، وركزت على وحشية هذا التطهير العرقي القديم وعواقبه السلبية. غير ان بعض العناصر الاساسية في هذه الرواية والمتعلقة بالاسطورة - اي بالرياديين الشجعان الذين هربوا من الاضطهاد وعملوا على انشاء دولة حرة - لا تزال تُشكل الهوية الذاتية الاميركية. ويبدو ذلك واضحاً في الطريقة السهلة التي يستطيع بها السياسيون هذه الايام، ومن بينهم الرئيس جورج بوش، ان يحثّوا الدعم لمغامرات سياساتهم الخارجية، باقتباسهم عناصر رئيسة من هذه الاسطورة ("ان اي هجوم على اميركا هو هجوم على الحرية"). 

اعرض هذه الافكار امامكم بشكل رئيسي، كطريقة لشرح ما هو بخلاف ذلك، غير قابل للشرح - اي كيف استطاع لاهوت الايام الاخيرة الذي كانت تعتنقه طائفة مسيحية - بريطانية غير معروفة في القرن التاسع عشر ان يسيطر على خيال اعداد واسعة من اكبر المجموعات المسيحية غير الكاثوليكية وأقواها سياسياً في اميركا، اي الذين يعرفون انفسهم بأنهم انجيليون (Evangelicals). هذه الطائفة التي نتحدث عنها هي طائفة "اخوة بليموث" (Plymouth Brethern)، التي كان باحث إلهامها "جون نلسون داربي". ان ما علّمه هذا الرجل هو نهج لتفسير الكتاب المقدس يدعى بـ"التدبيرية"(Dispensationalism). 

ان احد الجوانب الرئيسة في هذه العقيدة، هو الفصل بين اسرائيل والكنيسة في مقصد الله الخلاصي. وكان ايمان "درابي" بأن نبوءات العهد القديم التي ترتبط بعودة اليهود المشتتين الى ارض اسرائيل قبل تغربهم، يجب ان تتحقق حرفياً. وكانت هذه العقيدة تتعارض مع التعليم الواسع الانتشار للكنيسة الغربية في ذلك الوقت، والذي كان ينظر الى النبوءات العبرانية القديمة من خلال عدسة "لاهوت الأيام الاخيرة" للقديس اوغسطينوس والمعروف بـ"الاستبدال" (Displacement). حدد اوغسطينوس الكنيسة كوريث للوعود - اي انها "اسرائيل الجديدة" التي تتطلع بشوق الى "اورشليم الجديدة" الابدية. وهكذا ازال الوعد المرتبط بالارض من هذه المعادلة. 

راج تعليم "درابي" بشكل كبير في اميركا (ويقول البعض انه اصبح اكثر قبولاً) في بداية القرن الماضي، من خلال كرازة دي.إل. مودي D.L. (Moody) ومن خلال نشر "الكتاب المقدس لسكوفيلد" الذي كان يقرأ على نطاق واسع، ويستخدم رسومات وخرائط ملوّنة عليها رموز متعددة ليبيّن النبوءات وفي ما بعد حملت كلية دالاس للاهوت مشعل عقيدة "القدرية"، وكان من ابرز خريجيها المؤلف "هال ليندسي" صاحب الكتاب المرتبط بهذه العقيدة "كوكب الارض العظيم" والذي كان يقرأ على نطاق واسع. 

يرى اصحاب العقيدة "التدبيرية" ان الحدث الرئيسي الاكثر اهمية في القرن العشرين كان تأسيس دولة اسرائيل عام ،1947 وهو كان البرهان الايجابي على ان "داربي" كان على حق. واكتسب هذا الحدث صدقية اضافية بفعل الانتصار السريع والحاسم للدولة الصهيونية في حرب الايام الستة عام .1967 وهكذا هتف "التدبيريون": "ان يد الله حققت هذا بكل وضوح". وان النبوءات القديمة التي اعطاها الله لاسرائيل، بدأت تتحقق امام اعينهم. 

تلك كانت عقيدة "التدبيرية". لكنها لم تكن بالضرورة الصوت السائد في الكنيسة الانجيلية الرئيسة في تلك المرحلة. لم تصبح تلك العقيدة سائدة الا عندما اندمجت الاسطورتان: الاسطورة "التدبيرية" والاسطورة الاميركية. 

لقد استخدمت كلمة "اسطورة" ببعض التردد، لأن البعض قد يفهم من هذا انها تعني انني اؤمن بأن رسالة الكتاب المقدس تقوم على قدم المساواة مع قصص الاطفال الخرافية. لكنني لا اقصد ذلك بتاتاً. ان كلمة اسطورة التي استخدمها تشير الى قوة القصة في تشكيل وعي يعرّف الحق بطريقة تسمو على القصة ذاتها. وهكذا فان اسطورة "البيان المصيري" تعمل بهذه الطريقة حيث انها تقتبس من احداث تاريخية لكي تعرف امراً اعظم من الاحداث نفسها. وتفعل اسطورة "التدبيرية" الشيء نفسه بالنسبة لقصة تأسيس دولة اسرائيل. وهنا ايضاً نجد ان الاحداث التاريخية اقل اهمية من التفسير الذي يعطى لهذه الاحداث، اي ان الطريقة التي تسرد بها القصة تؤدي الى بروز "حق" اعظم منها. 

وتسرد القصة كالآتي في صيغتها الموجزة: 

انها قصة اناس مضطهدين يتوقون الى ارض يستطيعون فيها ان يمارسوا ايمانهم بحرية، تحت ارشاد الله وقوته، ويتغلبون على صعاب جمة ومعارضة كثيفة لانشاء دولة خاصة بهم. وتأتي هذه المعارضة من "متوحشين" يفعلون كل ما بوسعهم لمنع هؤلاء المستوطنين الشجعان من تأسيس دولتهم. وان الطريقة التي يريد بواسطتها هؤلاء المتوحشون الارض تبرر طردهم منها. 

وهنا، على ما اعتقد، يكمن تفسير واحد على الاقل لهذه السيطرة الراسخة التي تملكها الاسطورة القدرية على الوعي الاميركي (حتى خارج الدوائر الانجيلية)، حيث انها تشكل صدى لافكار اسطورة الريادين الاميركيين. اننا نسمع قصتنا الخاصة بنا، من خلال قصة اسرائيل، ونُقارن انفسنا بالصهيونيين لأن خبرتهم تماثل خبرتنا (او على الاقل تظهر بأنها تماثل خبرتنا، حيث اننا نناقش هنا التاريخ الحقيقي لا التاريخ التفسيري). 

لا اريد ان ابالغ بهذا الامر حيث ان الذين يقبلون عقيدة "التدبيرية" انما يفعلون ذلك بشكل رئيسي لأنهم مقتنعون ان هذه افضل طريقة لقراءة الكتاب المقدس. لكن هذه السيطرة التي تفرضها هذه العقيدة على خيال الانجيليين الاميركيين وتفكيرهم، حتى على الذين لا يقارنون انفسهم بالانجيليين، لا يمكن تفسيرها الا بالروابط الواضحة بين القصة الصهيونية و"القصة" الاميركية. 

من الصعب المبالغة بالضرر الذي تلحقه هذه العقيدة بالعلاقات المسكونية، وخصوصاً بالعلاقات بين الجناح الاكثر محافظة في الطائفة الانجيلية الاميركية، وجماعة المؤمنين في الشرق الاوسط. ان موضوع الخلاف يكمن في الطريقة التي يتعاطف بها هؤلاء المسيحيون مع الايديولوجية الصهيونية ضد الذين يعانون ظلمها وقسوتها، بمن فيهم مسيحيو الشرق الاوسط. ان القضية هي "نحن" "ضدهم"، ولكن في هذه الحال فان كلمة "نحن" تستثني اخوتنا المسيحيين (مع انه، ان اردنا ان نظهر الحقيقة فان كثيرين من المسيحيين الصهيونيين الاميركيين غير مدركين وجود المسيحيين الفلسطينيين. ان الأمر بالنسبة لهم، هو ان المسيحيين او اليهود هم ضد المسلمين. واذا اردنا صياغة هذه العبارة بطريقة فظة وبخشونة، نقول ان المواطنين المتمدنين في المجتمعات الحرة هم ضد الارهابيين المتوحشين). 

اذن، ما العمل؟ كيف يمكننا، في وجه هذه السيطرة الراسخة لهذه الاسطورة على الخيال والتفكير الجماعيين للانجيليين المحافظين (والاقوياء سياسياً)، ان نغيّر هذا الوضع، ونساعد هؤلاء المسيحيين على اكتساب نظرة اكثر توازناً؟ 

علينا ان بدأ بالحديث مع مؤمني الطائفة، لأن غياب الحوار هذا، كان الخطأ الاول الذي ارتكبته الجماعة المسكونية، خصوصاً من السهل ان نقول ان الشياطين تسيطر على الذين يتمسكون بهذه العقيدة، لكنني لا اعرف طريقة اخرى لمواجهة هذه الافكار التي تؤدي الى ظهور الاسطورة. 

لقد قلت في هذا الصدد ان المسيحيين الفلسطينيين الذين يزورون الولايات المتحدة لاشراك الطائفة المسيحية هناك بالحديث عن الاحتلال، غالباً ما يزورون الكنائس التي تمثل الطائفة المسكونية الرئيسة، اي انهم يبشرون من ليسوا في حاجة الى تبشير! 

ان الزيارة الاخيرة التي قام بها الامين العام لمجلس كنائس الشرق الاوسط الدكتور رياض جرجور للسينودس العام لطائفتي تبرز هذا الجانب. ومع ان الكنيسة المُصلحة في اميركا لا تقف الى جانب المسيحيين الصهيونيين، الا انها هيئة انجيلية محافظة قد يقع اعضاؤها في احابيل الصهيونية المسيحية (ان سلسلة "متروكون وراء" واسعة الانتشار بين رعيتنا). 

خاطب الدكتور جرجور سينودس طائفتنا في مناسبات مختلفة وبطرق متنوعة، بما فيها القاء خطابين رئيسيين في جلساتنا العامة. وتم اتخاذ قرارين بالنسبة لهذين الخطابين: انتقد الاول بصراحة الاحتلال الاسرائيلي ودعا الى العودة الى حدود ما قبل عام .1967 وطالب الثاني بانهاء العقوبات ضد العراق، وحذر من الاستعدادات الجارية للحرب. ان الكنيسة المُصلحة هي متحفظة عادة بالنسبة لاصدار مثل هذه البيانات السياسية الصريحة، الا انه تم اتخاذ هذين القرارين بشكل رئيسي بسبب تأثير الالتماس الواضح الذي قدمه جرجور للتضامن مع اخوتنا وأخواتنا في الشرق الاوسط. واندهش المراقبون القدماء في الكنيسة المُصلحة لسهولة اتخاذ هذين القرارين. ومن الواضح ان حضور الدكتور جرجور، والطريقة التي استطاع بها ان يثير التعاطف مع اخوتنا المسيحيين قد غيرا الوضع السائد. 

ان ذلك، يركز على اهمية مواجهة الاسطورة الصهيونية بقصص من الحياة عن الفلسطينيين الذين يعانون تحت الاحتلال. ومن الامور الشديدة التأثير ان كل مسيحي اميركي زار فلسطين، وسنحت له الفرصة لمقابلة الفلسطينيين في الاراضي المحتلة، واستمع الى قصصهم، واستمتع بضيافتهم، عاد الى اميركا وقد بات يتعاطف بشكل جديد مع الفلسطينيين. ويقدم لهم احياناً الدعم، ويجاهد في سبيل القضية الفلسطينية. اذن، يكمن السر في الاستماع الى هذه القصص واختبارها بطريقة مختلفة، مما يسمح لصوت الذين فقدوا بيوتهم ويعانون الذل والاهانة من جراء الاحتلال ان يسمع. 

ان الصهيونية المسيحية حركة قوية في اميركا، بسبب تأثير روايتها التي تردد صدى "قصتنا" الخاصة بنا. وأؤمن ان السر في مواجهتها يكمن في سرد قصة اخرى، اي قصة الناس الذين فقدوا بيوتهم ومعيشتهم، وكرامتهم، وفي بعض الحالات فقدوا حياتهم، على الاقل وبشكل جزئي بسبب الدعم الاميركي المطلق للصهيونية. ان المسيحيين الصهيونيين المتعصبين سوف يستمرون في التمسك بأفكارهم، في وجه كل ما يقدم اليهم من ادلة لمواجهة هذه الاسطورة. لكنني اعتقد ان هناك الكثيرين من المنفتحين لسماع قصة اخرى، والذين يمكن استمالتهم الى جانب الذين يعملون، كما اظن اننا جميعاً نعمل، على التعامل مع الوضع في فلسطين بشعور من العدالة التي يدعونا الله ان نمارسها في كل امورنا وقضايانا. ينبغي اضفاء صورة انسانية ورؤوفة على هذا الصراع لنبرهن ان الفلسطينيين ليسوا "المتوحشين" كما صنفتهم تلك الاسطورة. وكل ما يمكن القيام به لتحقيق هذا الامر، هو خطوة في الاتجاه الصحيح.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic