صورة الشيعة في وصايا الامام محمد مهدي شمس الدين

محمد حسين شمس الدين

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2002

 

     ... وأخيراً صدرت "الوصايا" التي تركها لنا الامام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وسجّلها بصوته على فترات متقطعة في مدى اسبوعين قبيل وفاته في العاشر من كانون الثاني لعام واحد وألفين. 

هي، على ما قدّمها صاحبها، "وصايا سياسية واجتماعية وثقافية وعلمية، لعل الله يجعل فيها نفعاً للناس عامة". وهي، على ما قرأها غسان تويني، "وثيقة فذة، تفجر المُسارّات (...) فاذا بها عصارة اختبار الضمير والمضمور بمعايير الواقع، ثم اختبار القول الحق بمحك رياح العذابات وعواصف الحروب". وهي، الى هذا وذاك، شهادة رجل تعهد بالولاية المعنوية والعناية الابوية مراكب المسلمين الشيعة في لبنان على مدى اثنتين وعشرين سنة كانت حافلة بالاضطراب والمتغيرات في عالم شديد الاضطراب والتغيّر. هذا الى مكانته العلمية المرموقة في دنيا العرب والمسلمين باعتباره فقيهاً مجدداً بامتياز، في زمن قلّ فيه الفقه والاجتهاد، ناهيك عن التجديد. 

والحال كذلك، فان هذه الوصايا تتمتع بقيمة كبرى ذاتية من حيث نسبتها الى الرجل والمكانة والتجربة، كما تأتي في الوقت عينه بمثابة "نقطة اعتراض كبرى في المنهج والنظام" على ما يجري، او ما يراد له ان يجري، من احوال الشيعة. وتحفزاتهم هنا وثمة... لكأنها بيان حار يردّ على احداث جارية! ففي اثناء قراءتنا لهذه الوصايا تشخص تلقائياً امام اعيننا كل المسائل الخلافية العميقة التي ما برحت تخض اللبنانيين منذ شهور، وبصورة محمومة تنذر بأشر العواقب. نعلم انها خلافات قديمة مستمرة، ولكنها دُفعت في الآونة الاخيرة الى بؤرة الوجع اللبناني بأسلوب غريب الفجاجة، ودعاوى افترائية لا تعبأ بما يترصد الوطن من خطر وجودي يطاول الفكرة والكيان والمعنى، بل ضاربة بهذا المعنى عرض الحائط في سبيل مصالح نثرية تكونت على جلد الحالة اللبنانية في حقبة مريضة لمّا تنته فصولاً بعد... فما احوجنا - مولاي - الى وصاياك، الآن وهنا! 

يحتل لبنان قلب الوصايا ووصية القلب في حديث الامام الى خصوص الشيعة، والى عموم العرب والمسلمين. كذلك يحتل المسيحيون العرب قلب وصية حارة متوهجة يلقيها الامام في روع العرب والمسلمين، منبهاً الى ان اي انتقاص من حيثية المسيحية في هذا الشرق انما هو طعن في صدقية العرب والمسلمين، فضلاً عن كونه وبالاً على الجميع - ولم يعد يكفي القول بأن المسيحيين "في ذمتنا"، هكذا بصورة تبسيطية هي اقرب الى السذاجة والتنصل منها الى تنزل الكلام على مقتضى الحال. والحال ان المسيحيين - على ما كان يردد الامام في غير مناسبة - "شركاؤنا الكاملون في واقع ومصير ننسجهما خيطاً خيطاً، فإما ان ننهض جميعاً او نسقط فرادى!". وعليه فانه يوصي ويرى "ان من مسؤولية العرب والمسلمين ان يشجعوا كل الوسائل التي تجعل المسيحية في الشرق تستعيد كامل حضورها وفاعليتها ودورها في صنع القرارات وفي تسيير حركة التاريخ" (ص 5). 

وبعد، فما هي الصورة التي يرسمها الامام في وصاياه لما "ينبغي" ان تكون عليه حال الشيعة في مختلف البلدان، ولما ينبغي ان يوجه طاقاتهم على صعيد الحراك الاجتماعي، وفي اطار الاجتماع السياسي؟ 

ابرز ملامح الصورة يأتي في وصية اولى الى عموم الشيعة في مختلف الاوطان "ان يدمجوا انفسهم في اقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي اوطانهم (...) وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً - يميّزهم عن غيرهم تحت اي ستار من العناوين، من قبيل انصافهم ورفع الظلامة عنهم، او من قبيل كونهم اقلية من الاقليات. ولا يجوز ولا يصح ان يحاولوا - حتى امام ظلم الأنظمة - ان يقوموا بأنفسهم وحدهم وبمعزل عن قوى اقوامهم بمشاريع خاصة للتصحيح والتقويم، لأن هذا يعود عليهم بالضرر ولا يعود على المجتمع بأي نفع (ص27-28)... وأكرر وصيتي الملحة بأن يتجنب الشيعة شعار حقوق الطائفة والمطالبة بحصص في النظام" (ص55-56). 

هذا الكلام فصيح في النهي عن افتعال (لاحظ استخدامه تعبير "ان لا يخترعوا لأنفسهم") اي مشروع خاص "للشيعة العرب في كل وطن من اوطانهم، وللشيعة غير العرب خارج ايران" (ص55). لماذا هذا الاستثناء الايراني؟ لأن "ايران هي دولة قائمة بنفسها"، هكذا يجيب الامام، ولا يزيد. ولعل هذه المسألة لا تحتاج الى مزيد من القول فيها، لأن الشيعة الايرانييين لا يواجهون في الواقع اشكالية "اندماج وطني" في بلد متشيّع بأكثريته الساحقة. ولنقُل ان سجال الامام مع الحال الايرانية يأتي في مجال آخر، غير هذه الوصايا، وفي صدد قضية اخرى تتعلق بما هي القاعدة الشرعية التي ينبغي ان يقوم عليها نظام الحكم الاسلامي في هذا العصر: هل هي "ولاية الفقيه المطلقة على الامة"، كما يمارس الخط الشيعي - الخميني في ايران، ام هي "ولاية الامة على نفسها"، كما دعا الامام شمس الدين وبسط دعوته هذه في بعض ابحاثه الفقهية؟ 

وقد يبدو للوحلة الاولى ان الاستثناء يمتد الى الشيعة العراقيين، بدليل قول الامام "ان وصيتي بالنسبة الى هذا الموضوع لا تشمل العراق" (ص57). غير ان الوصية نفسها سرعان ما تزيل هذا الالتباس اللفظي حين تؤكد ان الحركة السياسية المطلبية القائمة الآن في العراق "ليست في الحقيقة حركة الشيعة، وانما هي حركة الشعب العراقي (...) نعم، اقول للقوى الشيعية العراقية التي تبحث عن مخرج انه لا يجوز ان تجد مخرجاً شيعياً، ولا يجوز ان تبحث عن مخرج لا ينسجم مع توجهات المحيط العربي حول العراق، ولا يجوز ان تبحث عن مخرج يتهم لا ينسجم مع توجهات المحيط العربي حول العراق، ولا يجوز ان تبحث عن مخرج يتهم الشيعة العراقيين بأنهم ملحقون بدولة اخرى... ويا حبذا، ويا حبذا، ويا حبذا، لو ان الدول العربية الفاعلة تمكنت من ان تكوّن رؤية بما يشبه مؤتمر الطائف الذي عقد من اجل لبنان... ولعل الله اذا مدّ في الاجل ان يرشدني الى خير السبل في هذا الشأن للتداول مع بعض القادة الكبار من اخواننا الحكام العرب في هذه الفكرة" (ص57-58). 

هذا يحملنا على الظن القوي ان المخرج الذي يقترحه الامام للأزمة العراقية بعامة، ولأزمة الشيعة العراقيين بخاصة، هو التحوّل عن نظام الدولة الكلاّنية الانصهارية (على طريقة حزب البعث العربي الاشتراكي) والانتقال الى نظام الدولة التعددية الاندماجية الموحدة (على طريقة المثال اللبناني). 

ان وصية الامام بخصوص العراق تنسجم تماماً مع دعوته الشيعة في كل مكان الى لتخلي عن فكرة "المشروع الشيعي" واعتماد صيغة الدولة الوطنية، بالمشاركة والتفاهم مع سائر المجموعات في كل بلد، وبما يحفظ لكل مجموعة خصوصياتها الثقافية في اطار الوحدة السياسية. ولئن كانت هذه الدعوة تلقى صعوبات شديدة في مختلف البلدان (صعوبات من جهة الشيعة انفسهم ومن جهة الآخرين) فانها تجد في لبنان "نموذجاً للنجاح الوحيد الذي تحقق في العصر الحديث لتصحيح وضع الشيعة في مجتمع متنوع" (ص31). 

في حديثه عن تجربة الشيعة في لبنان منذ بدايات العهد العثماني حتى الآن (ص31-48) يقدم الامام "رواية" مختلفة عن الرواية الشيعية التقليدية، وان شاركتها معظم المصطلحات التعبيرية، انه ينقل الرواية الشيعية من صعيد "النّق" التاريخي الكربلائي المفتوح على الغيب، الى صعيد الخيار التاريخي المؤصّل فقهياً واجتماعياً، المفتوح على رسالة لبنان الحضارية والمطمئن الى دوره في اطار هذه الرسالة. ومن هنا اعتزازه بأنه كان، والامام موسى الصدر، وراء مبدأ "لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه". ومن هنا أيضاً كان لا بد للامام ان يوصي اخيراً "جميع اللبنانيين مسلمين ومسيحيين، ان يرفعوا من العمل السياسي مشروع الغاء الطائفية السياسية (ص53). فالصيغة التي تطور اليها هذا النظام، نتيجة لاتفاق الطائف، هي صيغة نموذجية في رأيي، ينبغي التركيز على اصلاحها، وعلى تنفيذها تنفيذاً اميناً لتحقق غاياتها المرجوة منها (ص61). وأعتقد ان لبنان بهذا سيبقى منارة ونموذجاً لكل المجتمعات الاخرى التي تتميز بالتنوع الشديد" (ص54). 

ان الغاء نظام الطائفية السياسية في لبنان ليس من شأنه ان يحقق عدالة اجتماعية كما يزعم بعض الهجوميين من المسلمين الآن، وليس من شأنه ان يحقق حماية للمسيحيين كما يزعم بعض المسيحيين الجدد الداعين الى التصدي لهذا الهجوم بالدعوة الى علمنة كاملة، كما ليس من شأنه ان يحقق حداثة كما يزعم العلمانيون التقليديون الذي ما زالوا قابعين في حداثة القرن التاسع عشر... 

انه سيلغي مبرر وجود لبنان ككيان مستقل وتجربة خاصة، كما كان يرى ميشال شيحا وكمال الحاج وغيرهما، وسيدخل لبنان في "مغامرة كبرى قد تهدد مصيره، او على الاقل ستهدد استقراره، وقد تخلق ظروفاً للاستقواء بالخارج من هنا وهناك، ولتدخّل القوى الاجنبية من هنا وهناك" كما يرى الامام شمس الدين (ص52). 

لقد اعترف الامام في وصاياه، وبجرأة ادبية نادرة، انه كان على خطأ حين طرح" مشروع الديموقراطية العددية في لبنان" (ص51). واذ استقر رأيه على ما رأينا "ليس فقط استجابة وترضية للمسيحيين، بل ضرورة للاجتماع اللبناني ولبقاء كيان لبنان، ولمصلحة العالم العربي في كثير من الابعاد، وحتى لمصلحة جوانب كثيرة من العالم الاسلامي، ونحن نمرّ في حقبة تاريخية مفصلية تتعلق بقضايا التنوع والتعددية السياسية وما الى ذلك" (ص47-48)... اذ استقر على هذا وأوصى به في كلمته الاخيرة، فانما يوجّه بذلك رسالة خاصة الى القائمين بالألعاب والمناورات النارية في هذه الايام حول هوية لبنان ومعناه، مفادها ان كُفّوا عن ذلك، لأن هذا المعنى اللبناني متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تكونوا كالمُنبَت لا ارضاً قطع ولا ظهراً ابقى! 

لا يتّسع هذا المقال لاستيفاء جميع الافكار الاساسية التي تطرحها "الوصايا". ولكننا نعتقد بقوة ان هذه الافكار، الى الافكار الاخرى التجديدية التي طرحها الامام في السنوات الاخيرة على صعيد الاجتماع السياسي الاسلامي، تصلح ورقة نقاش في منتهى الجدية والابداع امام العرب والمسلمين حين يعقدون العزم على اصلاح شأنهم بين الامم، وفي هذا العصر بالذات، بناء على "أجندتهم" الخاصة، وليس بناءً على "اجندة" اميركية تُملى عليهم املاء، فيحتارون كيف ينفذونها مع الاحتفاظ بالحد الادنى من ماء الوجه... هذا اذا بقي ثمة وجه للمحافظة على مائه!

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic