"العراق" في حوار شامل مع
سماحة العلامة السيد محمد حسين فضل الله

سركيس نعوم

جريدة النهار (لبنان)

الخميس، 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2002

 

     أجرى الكاتب الصحافي سركيس نعوم من جريدة النهار اللبنانية حوارا مع سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله تناول فيه الشأن العراقي، ونشر على حلقات بين 31 تشرين الأول 2002 و 7 تشرين الثاني 2002.


 

الانتفاضة العراقية شرطها دعم خارجي
24 شعبان 1423هـ الموافق 31 تشرين الأول / أكتوبر 2002

يشغل موضوع عراق الرئيس صدام حسين، بل مصيره، العالم كله منذ قرر الرئيس الاميركي جورج بوش بعد تحقيقه نجاحات بارزة في حربه على افغانستان الطالبان و"قاعدة" بن لادن، الانتقال الى المرحلة الثانية من حربه على "الارهاب" التي ترمي إلى إزالة أسلحة الدمار الشامل المتنوعة من العراق، بل الى القضاء عليه وإبداله بعراق آخر بعيد عن الارهاب وأدواته، وأكثر عدلاً في معاملة مكوناته الشعبية، وأقل قمعاً وعنفاً لحرية القول والعمل والفكر ولعدد من الممارسات الديموقراطية.

فالدول الكبرى، ولا سيما ذات العضوية الدائمة في مجلس الامن، تتفاوض ظاهرا مع القوة العظمى في عالم اليوم الولايات المتحدة حول الوسيلة الأنجع لتحقيق الغاية الاساسية، وهي نزع السلاح العراقي من دون حرب عسكرية، وتتفاوض معها ضمنا حول المكاسب التي يمكن أن تجنيها في حال سارت معها في الموضوع العراقي الى الآخر، أي إلى الحرب. والدول الاقليمية الكبرى مثل تركيا والجمهورية الاسلامية الايرانية تتجاذبها عوامل كثيرة، فالأولى تبدو أقرب الى السير إلى الآخر مع إدارة الرئيس بوش في مشروعه العراقي، ولكن بعد ضمانها الحصول على مقابل كبير لذلك. والثانية لا يزعجها زوال نظام صدام حسين، وربما سيريحها زواله، لكنها تخشى على نفسها من هذا الامر، نظراً الى احتمال وقوعها ضمن دائرة اميركية الهوى والقرار مع ما يرتبه ذلك عليها من اخطار، كما تخشى على نفسها ايضا من مواجهة القوة العاتية الاميركية. 

أما الدول العربية فحاضرة وغائبة في آن واحد في كل ما يتعلق بالموضوع العراقي. فهي حاضرة بالاسم من خلال ترديد ملوكها ورؤسائها وأمرائها رفض ضرب العراق عسكريا والإصرار على نزع سلاحه بالطرق السلمية، ودعوة بغداد الى تنفيذ طلبات المجتمع الدولي. وهي غائبة من خلال إحجامها عن القيام بأي عمل ملموس، أو بالأحرى امتناعها عن توظيف قدراتها الهائلة لمنع ضرب العراق، أو عجزها عن ذلك، ومن خلال إعطاء معظمها موافقة ضمنية على حل الموضوع العراقي بالطريقة الممكنة حربا كانت او سلما وبسرعة قصوى. وأما الشعوب العربية فحاضرة برفضها السياسة الاميركية حيال العراق وفلسطين والعالم كله، لكنها عاجزة عن القيام بأي شيء، ربما باستثناء "مهرجانات" مدروسة ومسموح بها يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي بالتجاري والعام بالخاص. وعجزها ناجم أساساً عن تدجين الانظمة لها ومن الانقسامات الحادة التي تعصف بها. 

طبعا، لم يبق أحد في العالم العربي ولبنان، فضلاً عن العالم الاوسع إلا وألقى بدلوه في الموضوع العراقي، وخصوصا بعدما أظهر الاسلاميون سنة وشيعة منذ البداية رفضهم ضرب العراق، رغم ما تعرض له الشيعة منهم على يديه، ولا سيما داخل العراق وفي ايران، وبعدما سبق المرجع الشيعي البارز آية الله محمد حسين فضل الله الجميع في إصدار فتوى تحرّم على المسلمين عموما ومسلمي العراق خصوصا (الشيعة) مساعدة اميركا ضد العراق، وبعدما أثارت هذه الفتوى ردود فعل متباينة. لذلك كله، ولأن دور الشيعة العرب وغير العرب فضلا عن الاسلاميين في موضوع العراق مهم وكبير، كان لا بد من التوجه إلى المرجع الديني الأبرز في التيارات الإسلامية الأصولية الشيعية اللبنانية لمعرفة رأيه في موضوع العراق وتوقعاته وآثار ما قد يتعرض له هذا البلد على المنطقة، نظراً إلى وسع علمه واطلاعه وقدرته على التحليل والاستخلاص.

******************

* هل تتوقع ضربة عسكرية أميركية للعراق أو زوالاً لنظامه وأركان هذا النظام بانتفاضة شعبية دون الحاجة إلى عمل عسكري خارجي وتحديداً أميركي؟

"عندما نريد ان ندرس الوضع العراقي نجد انه من الصعب التفكير بزوال النظام من الداخل، لان العناصر الامنية التي حشدها النظام بطريقة تجعل مسألة الامن هي المسألة الاولى التي تدخل في كل مفاصل النظام، بحيث لا يخلو موقع عسكري او اقتصادي او سياسي او اجتماعي او ديني من هذه التركيبة الامنية المخابراتية، بحيث يخشى حتى رجال المخابرات على أنفسهم من نظام المخابرات الذي يمكن ان يطل عليهم من هنا وهناك. 

لذلك من الصعب جداً القيام بحركة داخلية انقلابية ضد النظام. ربما يفكر بعض الناس بعملية الاغتيال لرأس النظام، وقد حاولت بعض الجهات المعارضة أن تدخل هذه التجربة، ولكنها فشلت بأجمعها من خلال طبيعة عناصر الحماية التي تحيط برموز النظام، ولا سيما الرمز الأول، ومن خلال المخابرات الدولية، ولا سيما الاميركية التي كانت تحمي النظام من أية عملية اغتيال، ولا سيما أيضاً عندما كانت المسألة الايرانية ـ حسب تصور المخابرات المركزية الاميركية ـ تتحرك في هذا الاتجاه. 

إن المسألة بحسب طبيعة الواقع الداخلي تحمل الكثير من عناصر الاستبعاد. ولكن ربما يفكر البعض في ان الطريقة المخابراتية قد تساعد في توفير ظروف انتفاضة داخلية، وخصوصا بعدما بدأت تدخل الى العراق من خلال بعض المواقع التي ركزت وجودها داخل المنطقة الكردية أو في غيرها من المناطق، وعملت، سواء من الخارج او من الداخل على النفاذ الى بعض المواقع العسكرية الموجودة في الخارج، والتي لها صلة بالداخل. هذا بالإضافة الى الحالة الخانقة التي يعيشها الشعب العراقي من خلال طبيعة أسلوب النظام في ادارة المسألة الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، او من خلال الضغوط الخارجية التي فرضت الحصار على العراق بحجة أنها تريد إضعاف النظام بسبب ذلك. لكنها تعرف ان الحصار لا يمسُّ النظام ولا يؤثر عليه من قريب او بعيد، بل كانت المسألة تمثل مشكلة للشعب العراقي ما أدى الى هجرة غير معقولة للعراقيين الى الخارج. 

إن مثل هذه العناصر ربما تؤدي إلى خطة تترك تأثيرها على زوال النظام، لكن بطريقة دعم خارجي يدخل في مفاصل هذه الخطة بطريقة خفية تارة ومعلنة أخرى، أو بطريقة الإيحاء بالحماية، وهو ما قد يدفع إلى تشجيع انتفاضة شعبية أو عسكرية، وهذا ما قرأناه من تصريحات بعض المعارضين الذين ذهبوا الى واشنطن عندما قالوا: "إننا نريد ان نتحدث مع المسؤولين الاميركيين كي لا يعيدوا التجربة التي قاموا بها بعد حرب الكويت عندما أسقطوا الانتفاضة الشعبية بدعمهم للنظام بما اعطوه من القوة والامكانات التي كان يفتقدها، وكي تقوم اميركا بحماية هذه الانتفاضة من ضربة النظام او بعدم التدخل لحماية النظام من خلال ذلك".
 

******************

احتمالات ضرب العراق قوية
الجمعة25 شعبان 1423هـ الموافق 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2002

* ماذا عن إقدام اميركا على توجيه ضربة عسكرية الى العراق؟

"في مسألة الضربة الأميركية"، فإن دراسة الاستعدادات والعنوان الأميركي الكبير في اعتبار العراق مشكلة أميركية في الداخل من خلال ما يوحيه للشعب الاميركي، تماماً لو كانت أسلحة الدمار الشامل العراقية أخطر من "القاعدة" أو ما إلى ذلك، توحي أننا أمام نكتة سخيفة يمكن أن يتقبّلها الشعب الأميركي، لأنه لا يملك الاهتمام بالقضايا الخارجية ولا الثقافة التي يستطيع من خلالها الموازنة بين ما يُلقى إليه من معلومات وما هو الواقع.

إن أميركا بوش قد وضعت في حساباتها أنها تريد حرباً ضد العراق على غرار حرب تحرير الكويت التي خاضتها، لأن النتائج التي حصلت عليها، ولا سيما في ما يتصل بالمسألة الإسرائيلية ولا نقول الفلسطينية في تلك الحرب من خلال مؤتمر مدريد إلى آخر القائمة، تجعلها تفكر في انها قد تحصل على نتائج مماثلة، تتجاوز المسألة الاسرائيلية لأنها تحاول في المسألة العراقية أن تظهر للعالم دورها القيادي الحاسم الذي إذا قرر شيئاً لم يستطع العالم أن يمنعه حتى لو لم يوافق عليه.

إن أميركا الآن بعد أحداث 11 أيلول لا تقتصر على محاربة الإرهاب التي تقوم بها على مستوى المنظمات والأحزاب، ولكنها تريد أن تثبت وتستعيد عنفوانها بضرب موقع يملك القوة في المنطقة، ويستطيع أن يحقق لها مواقع قوة لا تقتصر على المنطقة، بل تمتد إلى أكثر من ساحة، سواء لترتيب أوضاع بعض المواقع الحليفة لها مثل الخليج، أو الضغط على بعض المواقع الكبرى كأوروبا واليابان، أو لإطباق الحصار على إيران والتعامل معها تماماً كما نتعامل مع الثمرة التي نهيّىء كل الظروف لإنضاجها، ومن ثم لإسقاطها في أحضاننا.

لذلك فإن مسألة الحرب الأميركية - العراقية لو حصلت فإنها تتجاوز المسألة العراقية إلى مجمل المصالح الأميركية في المنطقة. لقد كانوا يتحدثون قبل مدة طويلة عن أمركة المنطقة، ومن المعلوم أن أمركة المنطقة لا يمكن أن تتحقق من خلال الوسائل والأساليب الديبلوماسية، بل لا بد أن تتحرك بطريقة تجعل المنطقة تعيش في حالة من الزلزال السياسي والاقتصادي والعسكري الذي تنخلع له قلوب الدول الكبرى قبل الصغرى، لتثبت أميركا أنها تمسك بالبترول العالمي، ولو تمّ ذلك بطريقة تدريجية، كما تتولّى قيادة الواقع الاقتصادي والسياسي والمواقع الاستراتيجية.

إنطلاقا من ذلك أتصور أن أميركا لا بد أن تخوض الحرب، وهو ما يفسر إصرارها على استصدار قرار من مجلس الأمن يؤكد على أن تأتي الحرب بشكل تلقائي عند تعرض حركة المفتشين في العراق لأية عقبة أو خلل، وهي الآن تعمل على صناعة هذا الخلل ولو بطريقة غير واقعية في هذا المجال، ولذلك لاحظنا كيف أنها بدأت تضغط على الدول التي تحاول أن توجد قدراً من توازن القوى معها حول موضوع "للعراق"، وهي روسيا وفرنسا والصين، لتتحرك معها على مستوى العصا والجزرة، وربما لاحظنا أن العصا بدأت تسبق الجزرة، لأنها لم تعد تستطع إقناع هذه الدول بالجزرة بالطريقة التي تقدمها لها، لأن هذه الدول تعرف أنه عندما تدور الدوائر فإن هذه الجزرة سوف تواجه الكثير من التعقيدات عندما تصطدم المصالح الاستراتيجية في المنطقة بمصالح هذه الدول.

إن أميركا عندما تصرّح وتهدّد مجلس الأمن والدول المعارضة هذه، وتصرّح بأنها سوف تبحث عن حلفاء يقفون معها في الحرب، وهذا ما بدأت تجربه في مؤتمر مكسيكو ـ المكسيك وغيره فإن هذا التهديد الأميركي المعقّد جعل الدول المعارضة للقرار الأميركي في مجلس الأمن تتحرك في خطين: خط تحفظ به هيبتها وماء وجهها بتقديم قرار هنا وقرار هناك، وخط آخر يجعلها تدخل من خلال القرارين لإيجاد صيغة تجمع بين القرار الذي تريده أميركا وبين ما يحفظ ماء وجه هذه الدول المعارضة.

عندما ندرس ذلك كله، وخصوصاً مسألة أن تضرب أميركا مجلس الأمن لا بالنقاط بل بالضربة القاضية، فإننا نشعر أن أميركا، في عهد بوش تحشد كل مواقعها في العالم في نطاق هجومها على العراق. ولذلك فمن الصعب جداً أن تتنازل عن هذا الهدف بالرغم من وجود مشاكل سياسية قد تعزل أميركا على المستوى السياسي، سواء على مستوى الدول الرافضة التي تتجاوز الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن أم على مستوى الشعوب التي بدأت ترفع صوتها عالياً في الدول الغربية وليس في المنطقة العربية ـ الاسلامية فحسب.

هذا إلى جانب أن هذا المناخ يتقاطع فيه العنصر الفلسطيني بالعراقي والذي أريد له في الواقع الشعبي السياسي أن يوحي بأن الحرب تطل على المنطقة كلها، وأن المصلحة الإسرائيلية تتقاطع مع المصلحة الأميركية في إسقاط دولة عربية قوية يمكن أن تكون الدولة التي تملك الكثير من العناصر التي توازن إسرائيل في القوة ولو مستقبلاً. إن أميركا قد تتحفظ أمام هذا الواقع ولكنها لا تريد أن توحي بمثل هذا التحفظ، وقد قرأنا في هذين اليومين تصريح هنري كيسنجر الذي يعتبر فيه أن أية حرب تخوضها أميركا تعتبر خاسرة ما لم تتحرك من خلال تحالف دولي كما حصل في حرب الكويت.

إنني أتصور أنه يمكن للإدارة الأميركية بالرغم من حصولها على تأييد النواب والشيوخ الأميركيين، أن تفكر في الانتخابات المقبلة النصفية أو الرئاسية، باعتبار أن أي خطأ قد يتحقق، إن من خلال بعض الأوضاع التي قد يسقط فيها بعض الأميركيين في الحرب البرية، أم في الوقوع في خطأ بعض الحسابات، ربما ينعكس سلبا على مستقبل الحزب الجمهوري وهو مستقبل بوش ولو بنسبة معينة.

إن المسألة في إطارها السياسي والعسكري باتت من الصعب جداً أن تكون دون نشاط فعلي أو حركة فعلية عملية، إلا إذا كانت هذه الاستعدادات العسكرية تمثل جزءاً من تكثيف القواعد العسكرية الأميركية باعتبار ما قد يحصل في المستقبل إذا لم تقع الحرب ضد العراق.

إن النسبة الكبيرة للحرب واردة، ولا بد لنا أن نحدّق بالنسب القليلة التي ربما تفرضها التطورات السياسية في العالم وفي المنطقة، ما يعني عدم وصول هذه الخطة إلى نهاياتها الأميركية".
 

******************

العراق الديموقراطي الحر مشكلة لاميركا
السبت 26 شعبان 1423هـ الموافق 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2002

* يبدو أن الرئيس الأميركي جورج بوش في مأزق حاليا. فهو أمام خيارين. الأول، عدم حصول الحرب على العراق، ومن شأن ذلك التسبب بالخسارة له بعد التعبئة الشعبية الواسعة، ما يؤدي تالياً إل تقليص حظوظه في ولاية ثانية في البيت الأبيض. والثاني، شن الحرب ومن شأن ذلك فتح أبواب الولاية الثانية أمامه إذا نجحت. والسؤال المطروح: هل في إمكان بوش التراجع الآن؟

"عندما ندرس بعض تصريحات الرئيس بوش التي يقول فيها إنه رجل سلام وما يتحدث به المسؤولون الاميركيون مثل أنهم لم يقرروا الحرب، وعندما يتحدث بوش بان النظام العراقي اذا وافق على نزع اسلحة الدمار الشامل التي يملك، فان ذلك يعني أن النظام قد تغير... إن هذه الكلمات قد تكون للاستهلاك السياسي في مجلس الامن أو للاستهلاك المحلي الذي يجعل المعارضين للحرب يلتقطون أنفاسهم، ولكنها قد توحي بان الرجل يواجه مثل هذا المأزق ويحسب حسابه وانه يريد أن يجعل لنفسه خط رجعة. ولا سيما اذا عرفنا أن النظام العراقي في هذه المرحلة يختلف عن النظام العراقي في أول التسعينات، لأن هذا النظام في التسعينات وحرب الكويت كان يعرف أن رأسه ليس مطلوبا. اما في هذه المرحلة فيعرف أن رأسه مطلوب وان اغلب الدول التي تصرّح ولاسيما العربية والاسلامية وتعلن رفضها للحرب في العلن تخفي فرحها ورغبتها في حرب تقتلع هذا النظام الذي اربك المنطقة واصبح مشكلة لاكثر من نظام في المنطقة... لذلك فإن مسألة تقديم التنازلات بلا حساب سوف يتحرك بها النظام كما لاحظناه في اعطائه الضوء الاخضر للمفتشين بأن يتجاوزوا المحرّمات وهي القصور وبأن يلاحقوا حتى العلماء - علماء الاسلحة - ليتحدثوا معهم، وليعرفوا ما عملوه وما نفذوه... إن علينا النظر في هذا الجانب وفي حركة النظام العراقي وفي حربه الديبلوماسية، لأن المسألة لا تزال ضمن اطار المصالح الدولية التي ربما تغلق اكثر الابواب على اكثر من دولة كبرى تعتبر أن مصالحها في العراق ولاسيما مصالحها في البترول العراقي ترتقي الى المستوى المصيري".

* تقولون إن العراق يمكن أن يكون القوة العربية الوحيدة التي توازن إسرائيل مستقبلا. فهل عراق الرئيس صدام حسين هو هذا العراق؟ هذا العراق الذي لم يعد دولة قائمة أو موحدة بدليل عدم سيطرته على المناطق الكردية في الشمال وبدليل غياب سيطرته الفعلية على الجنوب الشيعي اذا قرر هذا الجنوب الانتفاض وبدليل ما حصل في عاصمته وفي وسطه بعد تحرير الكويت. علما أن قوته كما قلتم استمدها من دعم أميركا له. وهذا الدعم لم يعد موجودا.

"أنا لا اتحدث عن عراق صدام حسين، إني اتحدث عن العراق كموقع من المواقع التي يمكن أن تصنع فيها القوة، اتحدث عن العراق كموقع استراتيجي يستطيع أن يصنع القوة التي قد توازن وتقترب من إسرائيل لأن الشعب العراقي حتى الآن لم يدجن لمصلحة الاعتراف بإسرائيل أو الخضوع لها.

وقد لاحظنا في الماضي، في عراق صدام حسين الذي وضع عنوان المواجهة ضد إسرائيل كلافتة في صدر مواقع نظامه، رأينا أنه بالرغم من كل وحشية النظام بالنسبة الى شعبه وتعقيداته بالنسبة الى المنطقة. كان يعمل على أن يصنع عراقاً قوياً، وبصرف النظر عن النتائج السلبية أو الايجابية في هذا المجال كان يمثل هذا النوع من الشخصية الاستعلائية - حيث كان يريد أن يجعل العراق "قويا" - ولذلك بادر الى صنع السلاح النووي وكل أنواع الاسلحة وربما شعر بعنفوان القوة عندما أوحى لنفسه الانتصار على ايران... إن العراق بشعبه معد اذا حصل على الاستقلال في سياسته وقراراته لأن يكون دولة قوية توازن أو تهدد ولو في موقعها امتدادات إسرائيل في المنطقة ولذلك فإن أميركا تفكر أن تصنع عراقاً أميركياً يمكن أن تصوغ مستقبله على الطريقة التي لا يمكن معها أن يملك قوة، بحيث يمكن أن ترتب موازين القوى وفق الصورة التي تخدم هذا الهدف.

ولعلنا نلاحظ في هذا المجال أن التصريحات التي قدمت كسيناريو لمرحلة ما بعد الحرب، ومفادها أن أميركا اذا نجحت في الحرب ضد العراق فانها سوف تفرض عليه احتلالا كاليابان لا كأفغانستان، وأنها ستجعل هناك قائداً عسكرياً... إن هذا السيناريو ربما يهدف إلى جسّ النبض أو إثارة الجدال أو ما اشبه ذلك، وهذا يوحي أن أميركا تخاف من أوضاع عراق المستقبل، ولا سيما أن الوضع والحرب الاميركية ضد العراق التي لا نعرف الآن خطوطها ونتائجها السلبية، قد توقع في حالة استعمال الطيران، كما في في الحرب على أفغانستان عشرات الآلاف من الضحايا، ما يؤدي الى إيجاد عقدة عميقة ضد الوجود الاميركي.

إننا عندما نلاحظ أن بلداً كالكويت ينطلق منه اشخاص عاديون كويتيون ليقوموا بإطلاق الرصاص على الجنود الاميركيين، أو نلاحظ الآن أن ديبلوماسياً أميركيا في عمان، التي هي قلعة أميركية، يتعرض لعملية اغتيال قام بها بعض الاردنيين، فهذا يعني أنّ هذه النماذج الصغيرة ربما تكبر عندما تدور الدائرة وتحصد الكثير من الابرياء في العراق وغيره... لاسيما اذا عرفنا أن الساحة العراقية محطّ الرياح التي يمكن أن تتحرك بها بين وقت وآخر، وخصوصاً عندما تنطلق اللعبة الدولية في ساحة المصالح المتناقضة. أما حديث أميركا عن الحرية والديموقراطية وغيرهما فلا حقيقة له، حيث من الطبيعي أنها لا تفكر في هذه العناوين في نطاق عراق صدام، أو عراق ما بعده، فهي لن تمنح المنطقة كلها اية فرصة لديموقراطية حقيقية ولحريات حقيقية، لأن اية ديموقراطية أو وحريات حقيقية للشعب سوف تدفع به إلى مواجهة أميركا في البداية وإلى معارضة الدول الكبرى، لأن من الطبيعي للشعب الذي يبحث عن حرياته، وعن سياسة الاكتفاء الذاتي، وعن حماية اقتصاده وثرواته الطبيعية، أن يتحول الى مشكلة لاميركا بالذات ولكل الدول الأخرى.

ونحن نعرف أن المنطقة هي منطقة الامواج الهائجة وليست منطقة الرياح الساكنة. أن العراق يتحول، كما منطقة الخليج كلها (الربع الخالي)، في ايام الربيع الى عجاج هائل لا يستطيع الانسان أن يبصر فيه الشمس".
 

******************

لا فتنة مذهبية... ولكن
الاثنين 28 شعبان 1423هـ الموافق 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2002

* يُعامل العراق حاليا ومن الانظمة العربية المتخاصمة معه كأنه صار رمزاً للعنفوان العربي، وترفض ضربه ربما لأنها بذلك تدافع عن نفسها. ولكن الا يحق للشعب العراقي بعربه من سنة وشيعة واكراد أن يستعين باميركا للتخلص من القهر الذي مارسه عليه مدة طويلة. ألا يمكن حصول تلاق في المصالح بين دولة كبرى وشعب صغير وضعيف يؤمّن مصالح الاثنين؟ الا يفتح إنهاء النظام العراقي الحالي المجال لقيام نظام ديموقراطي يرتاح إليه العراقيون، أم أن معايير الديموقراطية لا تنطبق عليه كلها؟

"ان هناك مثلاً يقول إن الذي يضحك أخيراً هو الذي يضحك كثيراً. ولعل مشكلتنا في العالم العربي هي اننا نفكر في السياسة في حجم اللحظة على طريقة قول الشاعر:

ما مضى فات والمومَّلُ غيبٌ         ولك الساعة التي أنت فيها

أو على الطريقة اللبنانية أيام الحرب عندما كانوا يتحدثون "حلّوها بقا كيف ما كان".

إن المسألة المطروحة هي: هل أن هذه الخطّة الأميركية تريد أن تعيد لشعب العراق هذا النوع من التنفس في الهواء الطلق، وفي الاحساس بشيء من معنى الانسانية في عناصر شخصيته وحياته، وماذا عن المستقبل؟ ألا تدل الوقائع على أن أميركا ستنطلق بكل ضغط شركاتها لتصادر كل شيء عراقي، وتمنع الشعب العراقي من تحقيق سياسة الاكتفاء الذاتي، أو من التحرك بحرية في علاقاته الدولية على طريقة "راحت السكرة وجاءت الفكرة".

لقد عايشت في العراق في بداية شبابي العهد الملكي، ورأينا الشعب العراقي يسحل نوري السعيد وعبد الإله في الشوارع، وكان يصفق لعبد الكريم قاسم على أنه الزعيم الأوحد، ثم صفّق لعبد السلام عارف وصفّق لعبد الناصر، ثم بعد ذلك رجم عبد السلام عارف وأفسح المجال لاسقاطه من الطائرة، وبعدما جاء عبد الرحمن عارف كمقدمة لمجيء حزب البعث، فكان احمد حسن البكر غطاء لصدام، وانطلق صدام وما زال إلى الآن.

إننا نلاحظ أن الشعب العراقي بين فترة وفترة - وأنا اتحدث عن ظاهرة لا عن شمولية - كان يحس ببعض الراحة من خلال تخففه من الضغوط التي كانت تقع في العهد السابق، ولكنه كان ينطلق بكل شراسة عندما يدخل العهد الجديد في التجربة التي قد تكون أقسى من التجربة السابقة.

إن البعض يرد في هذه الظاهرة إلى لعبة الأمم وإلى التدخلات الخارجية، ولكن أميركا مهما كانت قوية، فانها ليست القوة الوحيدة التي تعرف كيف تتدخل، ولا سيما في الساحة التي تملك فيها كل الدول موقعاً يعطيها حرية الحركة، بقدرما تسمح العلاقات بين الدول في صراع المصالح. اننا نجد الآن في تجربة افغانستان التي نعرف جميعاً أن الشعب الافغاني كان يعيش وضعاً ولا أشرس منه ولا أقسى في نظام طالبان، وإننا نجد أن هذا الشعب أو الكثير من أفراده قد تصور بأن أميركا جاءت لتنقذه، وجاءت بالمنّ والسلوى، ولكن هذه الاحداث المتحركة في هذا البلد ـ وليس من الضروري تكون مسألة طالبان أو محاولة امراء الحرب أن يستعيدوا مواقعهم ـ من خلال العمليات التي تستهدف الوجود الاميركي بل وجود الحلفاء، وهو ما يعني أن الشعب الافغاني بدأ يرى أن هذا النظام الجديد لم يستطع أن يحقق له الأمن الذي كانت طالبان حققته وان كان بالحديد والنار، كما يتقن من أن كل هذه الدول المانحة، بما فيها أميركا التي وعدت الافغان بالمن والسلوى وبمساعدتهم ورفع مستواهم الاقتصادي، لم تستطع أن تحقق لهم شيئاً.

لذلك فإن الشعوب التي قد تستسلم في بعض المحطات لبعض القوى الكبرى لتحقيق احلام سعيدة، سرعان ما تكتشف أن هذه الاحلام لم تتحقق وان المسألة ربما حلّت لهم مشكلة، ولكن اوقعتهم في آلاف المشكلات. اني لا اتحدث عن هذا كأنه القضاء والقدر لأن هناك الكثير من الفجوات التاريخية والسياسية والاقتصادية قد تعطل حركة هنا وحركة هناك، ولكننا نعرف أن الحديث عن السياسة لا يتصل بالمطلق، لكن المسار قد يتعثر هنا وهناك، ويفتح ثغرة هنا وهناك لهذا من الصعب جداً أن نبسّط النتائج التي قد تحصل في بعض المراحل في حركة الصراع بين نظام بائد ونظام مقبل ولكن التعقيدات قد تتحقق عندما يدخل الناس في التفاصيل ويقولون دائماً أن الشيطان يدخل ويكمن في التفاصيل".

* هل تعتقدون أن الشعب العراقي بكل فئاته سيواجه الضربة العسكرية المباشرة في حال قررتها أميركا ونفذتها؟ وهل تتوقعون قيام هذا الشعب بعمليات انتقامية رداً على ما تعرض له في السابق من النظام وأنصاره؟

"من الممكن أن تحصل هناك مجازر كما رأيناها عندما حصلت المجازر في العراق في عهد عبد الكريم قاسم في اثناء ما كان يسمى المدّ الشيوعي أو المد الأحمر حيث وقعت مجازر غير معقولة في أكثر من منطقة في العراق، وقد اتُهم الحزب الشيوعي العراقي بأنه قاد تلك المجازر، وخصوصاً من خلال المناخ الذي كان يثيره ويصنعه المهداوي في محكمته المعروفة التي فقدت كل منطق حتى قيل عنها "محكمة قراقوش".

إن من الممكن جداً حصول مجازر ولكن على مستوى المواقع السياسية ولا سيما ضد حزب البعث وضد رموز النظام، وربما تفسح أميركا المجال لهذه الفوضى لصالح الشعب العراقي المقهور والذي يحمل حالة نفسية قاسية ضد كل هؤلاء. ولكن لن تحصل هناك فتنة مذهبية على مستوى السنة والشيعة لأن الواقع العراقي في مدى الزمن لا يختزن في داخله مشكلة عميقة سنيّة شيعية على مستوى الواقع الشعبي.

ربما يشعر الشيعة في العراق بالغبن كما تشعر بعض الطوائف في لبنان بالغبن، ولكنهم لا يحمّلون السنّة على مستوى الشعب ذلك الغبن، بل يحمّلون الدول الكبرى كالانكليز أو بعض مواقع النظام. نحن نعرف أن هناك حساسيات بين السنة والشيعة تماماً كما هي الحساسيات في أي بلد ولكنها لم تصل الى مستوى الضراوة لأنه ليس هناك قضية سنية شيعية، فالشيعة أساساً لا يحملون اي روح عدوانية ضد السنّة كما أن السنة لا يجدون هناك أية ظروف تتصل بمذهبياتهم ضد الشيعة، فان الشيعة مثلاً لم يفكروا في مدى التاريخ بأن تكون لهم دولة شيعية في العراق، بل كان خطهم السياسي دائماً يؤكد على وحدة العراق، فهم الذين دعوا الهاشميين الى موقع الملكية في العراق، وبقي الحكم سنياً، واني اتصور الآن على حسب بعض المعلومات السابقة التي لا ادري مقدارها من الدقة، أن بعض المسؤولين الاميركيين قبل تطور الاحداث قالوا لبعض المعارضين بأن طريقة الحكم في العراق سوف لن تتغير، سيبقى السنة هم قاعدة النظام ويأخذ الشيعة حقوقهم، ولكن لا اساس أن يكونوا الحاكمين، فليس هناك أية ظروف - كما ارى - سياسية ومذهبية لأية حرب سنية وشيعية في العراق. قد تحصل بعض المشاكل القومية، لأن العراق فيه أكراد وتركمان وآشوريون وغيرهم...".
 

******************

المعارضة العراقية تفهّمت فتوى فضل الله
الثلثاء 29 شعبان 1423هـ الموافق 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2002

* صدر عن سماحتكم فتوى دينية بخصوص الحرب على العراق تدعو الى عدم مشاركة العراقيين وخصوصاً الشيعة فيها لأن الأجنبي أي أميركا تقوم بها. لم يكن صدى هذه الفتوى ايجابياً عند المعارضة العراقية... بماذا تفسّرون ذلك؟

"الواقع أن صدى الفتوى تنوّع، فهناك الصدى الذي انطلق بعنف وبلغ مستوى التجريح الشخصي من الشخصيات التي حضرت لقاء واشنطن وقد نشر بعض هذه التعليقات السلبية في جريدة "المؤتمر" الصادرة في لندن عن حزب المؤتمر أو جماعة المؤتمر الوطني، وصدرت ردود ضدّها ونشرت ايضا في الصحيفة ذاتها، وكانت المفاجأة أن الامين العام أو رئيس المؤتمر احمد الجلبي اتصل بي هاتفيا وتحدث عن تقدير وإكبار للدور الذي اقوم به، لأن المسألة التي انطلقت الى جانب الفتوى هي أن هناك فتاوى أخرى إحداها كانت جوابا عن سؤال وجه اليّ من بعض العراقيين في المانيا: ومفاده "هل يجوز تعاون الاسلاميين مع العلمانيين بمن فيهم الشيوعيون والبعثيون في اسقاط النظام العراقي؟" قلت: "يجوز ذلك إذا كان هناك مصلحة إسلامية عليا لذلك". ولهذا تحدثت ايضاً تعليقاً على هذه الفتوى في حوار مع اذاعة اوروبا الحرة وهي ضد النظام العراقي. وفسّرت فيها اني اطلقت الفتوى في عدم مساعدة أميركا في ضرب الشعب العراقي وتمكينها من السيطرة على مقدرات العراق الاقتصادية والسياسية والامنية، ودعوت الشعب العراقي للتخلص من حاكم نظامه بوسائله الخاصة. وهناك بعض الذين اعترضوا على الفتوى لم يقرأوها جيداً. واعتبروا أنها تمثّل دفاعا عن النظام وخصوصا أن النظام اشاد عبر وزير خارجيته بهذه الفتوى ونُشر ذلك في الصحف العراقية. هؤلاء المتحمسون الذين عاشوا مرارة التشرد والسجن والإعدام، لقد كنت اعذرهم لذلك باعتبار انهم وضعوا كل احلامهم في اسقاط النظام حتى أن بعضهم كان يقول ليأتنا شارون وخذوا صدام حسين، ولو جاءنا الشيطان فنحن نقبل به.

لقد كنت أقدّر عواطف الذين تعرّضوا كما اسلفت لآلام ومشاكل، لأني اعرف جيداً مرارة الواقع الذي يعيشه الشعب العراقي في الخارج والداخل، ولكن هناك الكثيرين من المعارضين الاسلاميين وغيرهم كانوا مع الفتوى، فقد قرأوها جيداً وقرأوا الفتاوى الاخرى وقرأوا كل المواقف التي انطلقت منها من البداية ضد النظام العراقي وحتى الآن، واعتقد أن المسألة تركت تأثيراً ايجابياً على مستويين: المستوى الأول هو أن ذهاب البعض من المعارضين الى لقاء واشنطن، وفيهم جهة اسلامية كانت تصرّح أنها اخذت ضوءاً أخضر من القيادة الاسلامية في ايران، أن ذهابهم اعطى انطباعاً في الواقع الاسلامي السني أن الشيعة باعوا العراق لأميركا، سواء أكان هذا خطأ أم صواباً.

لذلك عندما جاءت الفتوى ونشرت في العالم بدّلت هذا الانطباع واعتبرت أن الشيعة ليسوا فريقاً واحداً فهناك جهات مرجعية شيعية لا توافق على حرب أميركا على الشعب العراقي. واما المستوى الثاني فهو أن فئات المعارضة رأت في هذه الفتوى خطّاً ينسجم مع النظرة السياسية الى أميركا واطماعها في العراق".

* النظام العراقي يحكم العراق بالقمع والشدة. والشعب العراقي لا يستطيع تغييره بوسائله الخاصة وتحرمون عليه الاستعانة بأميركا أو بأي قوة أخرى لتغييره، ماذا يفعل؟

"أنا افهم هذا الانطباع وهذا التفسير، وربما سمعت ذلك من بعض الناس الذين يعيشون المرارة من النظام العراقي ولهم الحق في هذه المرارة. وكانوا يطرحون ما هو البديل؟ إن الشعب العراقي لم يستطع في السنين التي فرض النظام نفسه عليه، أن يسقط النظام، فما هو البديل؟ لقد كنتُ أقول في هذا المجال أن الفرق بيني وبين الآخرين انهم يفكرون في الحاضر وأفكر في المستقبل، وأنا أعتبر أن النظام العراقي في امتداده التاريخي كان يملك الحماية الاميركية وحماية الدول الاخرى التي كانت تدعم النظام من خلال دعمه لمصالحها، وخصوصا في بعض الدول العربية التي كانت تخاف من السيطرة الايرانية على العراق، ومن أن يأتي هناك نظام اسلامي على الطريقة الايرانية يربك الواقع العربي اكثر مما يربكه النظام العراقي، سواء من ناحية مذهبية أو سياسية أخرى. لذا عندما ترفع الدول الكبرى الحماية عن هذا النظام يفسح المجال لبعض المعارضة العراقية، التي تملك بعض فصائلها جيشاً في ايران هو فرقة بدر التي يشرف عليها المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق، بالاضافة الى العراقيين المدربين، فإذا حصل تأييد خارجي يمكن أن يعالج الموضوع من دون قيام أميركا بحرب واسعة تستهدف العراق والمنطقة.

ان المسألة انني كنتُ أفكر بالمستقبل لأني معنيّ من خلال ما اؤمن به من الخطّ الاسلامي، وحتى من الخط السياسي الذي يفهم ما معنى أميركا وما معنى الدول الكبرى، بقدر ما تتعلق المسألة بالمنطقة العربية والاسلامية معاً وبكل المستضعفين في العالم. واعتقد أن المرحلة الزمنية الضيّقة أو المشكلة الضاغطة المعيّنة لا تبرر لنا أن ننطلق لنفسح لمشكلة على مستوى المستقبل. ولعل الجميع يذكرون كيف أن الانكليز أقنعوا العرب ومنهم الشريف حسين بأن يساعدوهم على الأتراك، ثم كان الاستعمار للمنطقة كلها وفق تقسيم سايكس - بيكو".
 

******************

الايديولوجيا الاسلامية ليست تجريدية
الأربعاء 01 رمضان 1423هـ الموافق 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2002


* ما مدى تأثير "فيلق بدر" الشيعي العراقي المقيم في ايران، والذي يلقى دعمها سياسياً وعسكرياً، على الشيعة العراقيين، في حال دخوله العراق وتعاونه مع سائر المعارضين العراقيين، لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، وخصوصا في ظل ما يقال عن اختلافات مهمة بين شيعة العراق وشيعة ايران حول امور اساسية مثل النظام الاسلامي وولاية الفقيه وما الى ذلك؟

"أتصور أن الفيلق الذي يشرف عليه اختصاصيون ومدرسون إيرانيون أكثر مما تشرف عليه المعارضة العراقية يؤمن على الأقل في بعض فصائله بمسألة ولاية الفقيه، لكني أعتقد أن هذا الفيلق عندما يدخل العراق يدخله مقاتلا للنظام الحاكم، ولكنه لن يستطيع ان يصنع نظاماً، لأن طبيعة التعقيدات الداخلية والعربية والدولية في العراق لا تفسح في المستقبل المنظور لتأسيس دولة إسلامية على الطريقة الإيرانية في العراق، حتى أن الذين يفكرون بالدولة الإسلامية أخذوا يتجهون بالحديث عن الديموقراطية والتعددية وغيرها، لأن طبيعة الظروف التي يعيشها العراق في الداخل من حيث التنوع المذهبي والقومي من جهة والتنوع السياسي الحزبي من جهة أخرى لا تفسح لهذا التفكير".

* هل الموقف المعلن للجمهورية الإسلامية الإيرانية من الحرب الأميركية المتوقعة على العراق متوافق مع الفتوى الصادرة عنكم في شأنها؟

"لقد سمعتُ عن أصداء هذه الفتوى من خلال القيادة الاسلامية في ايران بأنها كانت أصداء إيجابية، وكان البعض يتحدث بأن الفتوى كانت مفاجأة لأنها سبقت الآخرين في وعي المسألة الأميركية بالنسبة إلى القضية العراقية".

* كيف ترون الموقف الإيراني المتدرج حيال أميركا في موضوع العراق؟ أولاً معارضة ضربه عسكرياً، ثم إعلان ممارسة سياسة الحياد النشط، والإيحاء بالنسبة للتصرف حيال هذا الموضوع بالطريقة نفسها التي تعاملت بها إيران حيال الموضوعين الأفغاني و"الطالباني"؟

"هناك حقيقة سياسية عسكرية في مسألة الخطة الاميركية لدى العراق وهي أن إيران لا تملك أية خطة أو أية قدرة للمشاركة في الحرب ضد أميركا بالمطلق، تماماً كما كانت المسألة في حرب الكويت. فنحن نعرف أن الحرب كانت في الخليج وكان في إمكان إيران وفق شعاراتها أن تقصف بعض الأساطيل أو البوارج أو غيرها. ولكنها بقيت على شعاراتها ضد أميركا من دون أن تحرك ساكناً في المسألة الأمنية، لأنها كانت ترى أن الحرب ضد أميركا مؤذية، ولاسيما أن أميركا دخلت الحرب مع تحالف دولي وعربي وإسلامي. لذا فإن إيران كانت تعمل على حماية نفسها وهي تؤسس دولة قدمت مئات الآلاف من الضحايا والشهداء لتبقى متوازنة بعيدة عن الخطر، وهذا ما لاحظناه في أفغانستان، إذ واجهت إيران في نظام طالبان الموقف الذي تحرّك بطريقة مذهبية متعصبة حصدت آلاف الشيعة، واتخذ موقفاً سلبياً فوق العادة ضد إيران. ولذلك وقفت إيران منذ البداية مع التحالف الشمالي مع أنه لم يكن يمثل في تنوعه السياسي حالة شيعية أو إسلامية، ولكن كان حزب الوحدة الذي له علاقات جيدة بإيران جزءا من هذا التحالف، ولذلك فقد انطلقت إيران لتدعم هذا التحالف ومن الطبيعي أن مصلحتها كانت إسقاط نظام طالبان، لانه من الممكن أن يشكل خطراً عليها على أكثر من صعيد، ولذلك تعاملت مع الحرب الأميركية على أفغانستان وتحديداً "طالبان" بما يشبه الحياد الذي يتقاطع فيه الجانب السلبي بالإيجابي، لأن المسألة كانت عندها أن لا مصلحة لها في الدخول في حرب مع أميركا في تلك المرحلة، لأن ذلك يتحول إلى حرب على الشعب الأفغاني الذي كان يريد الخلاص كيفما كان من دون أن يحقق شيئا، لذا اكتفت بالقليل القليل من المواقف التي أعطتها غطاء قانونياً على مستوى النظام الدولي في أنه إذا سقطت هناك بعض الطائرات، فإنها من الناحية الإنسانية والنظام الدولي لا بد أن ترعى مَن فيها.

وقد كسبت إيران من خلال هذا الموقف الكثير في أفغانستان، ولذلك فإنها تملك الآن مواقع جيدة متقدمة حتى على مستوى الحكم، ولعلها هي من أوائل الدول التي قدّمت مساعدات إلى الشعب الأفغاني بقدر ما تتيحه إمكاناتها الاقتصادية. أما بالنسبة إلى العراق الآن فمن الطبيعي أن إيران تتمنى سقوط النظام العراقي اليوم قبل غد، لأن هذا النظام عطّل نموّها مدة ثماني سنوات ودمّرها اقتصادياً وقتل مئات الآلاف من شعبها، ولكنها كانت متوازنة مع هذا النظام وهي تعرف أن أي موقف حاد عملي ضد أميركا في هذه المرحلة سوف لن تكون له أي شعبية لدى الشعب العراقي، وسوف يؤدي إلى نتائج كارثية عليها، ولذلك فإن الموقف فيها يتحرك ما بين خط يريد أن يحافظ على الشعارات الإسلامية ضد أميركا، وهذا ما تمثله القيادة الإسلامية الشرعية الممثلة بالسيد الخامنئي، وبين خط الواقعية التي تريد من خلالها إيران أن تحفظ موقعها، وذلك باستخدام المرونة السياسية في التعاطي مع أكثر من جهة، كالجهة العربية المتصلة بالعلاقات السورية ـ الإيرانية في المسألة العراقية والتي ربما أخذت بعداً كبيراً في الزيارة التي قام بها وزير الأمن إلى سوريا أخيراً، مما يجعلها تقف ضد حرب أميركا وفي مواجهة حرب أميركا على الشعب العراقي، ولكنها في الوقت نفسه احتاطت لنفسها بالإعلان عن أن الطائرات الأميركية عندما تدخل خطأ الجو الإيراني، فإن إيران لن تعتبرها معادية وموجهة إليها، ربما لأنه لا يمكن لأحد أن يميز بين الخطأ والصواب، ثم ربما تتحدث بعض المعلومات والاحتمالات بأن التقنية الأميركية قد تعطل الكثير من أجهزة الرصد للطائرات، بحيث أنه لا تستطيع أن تكتشف ذلك. فقد كان الموقف ينطلق من خلال الدراسة الواقعية للمسألة مع إعطاء الموقف شيئاً من الضبابية هنا وشيئا من الضوء في المجال الآخر، ذلك أن علينا أن نفهم حقيقة أساسية في العلاقة بين الأيديولوجيا والسياسة. إن الأيديولوجيا عندما تكون منطلقة في الخطوط الواقعية لحركة الإنسان فإنها ربما توجه السياسة لترتبط بالواقع على أساس التزاحم بين الأهم والمهم. لذلك فالأيديولوجيا الإسلامية ليست تجريدية تعيش في المطلق، ولكنها واقعية لأنها جاءت لمصلحة الإنسان، فحيث تكون المصلحة الإنسانية أقوى وأبر تتجمد بعض فصول الأيديولوجيا لمصلحة الانسان. وقد تحدثت في بعض أبحاثي سابقاً أن الدين جاء لخدمة الإنسان ولم يأت الإنسان لخدمة الدين".
 

******************

القضية الفلسطينية هي الخاسر الاكبر
الخميس 02 رمضان 1423هـ الموافق 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2002


* إذا ضرب الأميركيون العراق ونجحوا في إسقاط نظام الرئيس صدام حسين تصبح إيران مطوقة بدول موالية لأميركا. هل سيفتح ضرب العراق الباب أمام تفكير إيران الإسلامية جدياً في محاولة تحقيق تطبيع ما مع أميركا؟ علماً أن ما يتردد هذه الأيام يشير إلى أن اتصالات غير مباشرة تجري بين واشنطن وطهران وللمرة الأولى بمباركة من المرجعية الشرعية الإيرانية؟

"اتصور ان السياسة الواقعية التي انتهجتها إيران في تطوير الايديولوجيا على اساس الموازين الشرعية، لمصلحة الواقع السياسي والاقتصادي والامني يمكن ان تفسح المجال لتطوير العلاقات الايرانية مع الواقع الدولي حتى مع أميركا. وفي الواقع إفن الخطوط السياسية في إيران لا تمنع من علاقات مع أميركا، ولكن مسألة التجاذب والجدية بين أميركا وايران هي مسألة الشروط، اذ تعمل إيران على ان تحافظ على موقعها وعنفوانها واستقلالها بينما تريد أميركا اخضاع إيران على الطريقة التي تخضع بها الدول الاخرى. واعتقد ان القضية لا بد ان تصل الى نقطة التوازن، لأن أميركا وحسب رصدي للطريقة الاميركية السياسية التي تدير بها أميركا المواجهة ضد إيران، أي طريقة العصا والجزرة توحي أن أميركا تفكر، ولو في المستقبل البعيد، في ان تحرك مصالحها الاقتصادية والسياسية في الساحة الايرانية. ومن الممكن جدا ان تقدم بعض التنازلات في مقابل ما تقدمه إيران من تنازلات على الطريقة الواقعية التي تقول: "لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم".

* هل يرد الى ذهنكم يوما من الايام ان حربا عسكرية قد تقع بين إيران واميركا؟

اجاب المرجع الاسلامي الابرز: "من خلال رصدي للمسألة الاميركية الايرانية، للسياسة الاميركية في المنطقة، ودراستي للنتائج السلبية الكبرى التي يمكن ان تحصل في حرب أميركية - إيرانية، فإن أميركا لا تفكر ولو بنسبة واحد في المئة في حرب على إيران، لانها سوف تتحول الى ما يشبه المذبحة، وهذا الأمر نابع من خصوصية في الشعب الايراني، هذا الشعب الذي قد يختلف في خطوط السياسة، وربما تجد هناك بعض الشباب الذين يتحمسون للرياضيين الاميركيين أو لبعض الصرعات الاميركية، أو بعض الناس الذين يتحدثون عن ضرورة الحوار مع أميركا وغير ذلك. ولكن عندما تحارب أميركا إيران فإن الحرب تولد شراسة في الوطنية الايرانية. فالشعب الايراني شعب مسلم ولكنه وطني ضد اي حرب خارجية بشكل قوي وبأكثر الاشكال شراسة واعتقد ان أميركا تفهم ذلك".

* ما هي آثار تغيير النظام في العراق سواء تم بضغط أميركي أو بضربة عسكرية أميركية على سوريا ولبنان؟ وما هو تأثير ذلك ايضا على الوضع الفلسطيني والقضية الفلسطينية؟

اجاب المرجع الديني الاسلامي الابرز: "ارى ان الحرب الاميركية على العراق اذا حصلت فسوف تترك تأثيرا سياسياً ضاغطاً على السياسة في سوريا وفي لبنان، لأن المسألة سوف تبدأ بترتيب المصالح الاميركية في المنطقة وبـ"الترشيد الاميركي" للسياسة السورية بما يمكن ان تفكر فيه أميركا من مستوى الضغط على سوريا. وهكذا تمتد القضية بالنسبة الى لبنان ولكن لا لحساب الذين يراهنون على أميركا في المسألة السورية لأن أميركا ليست مستعدة ان تعمل لحساب اي فريق لبناني صغير أو كبير لتخسر سوريا، لأن سوريا لا تزال رغم كل ما هناك حاجة حيوية لاميركا في السياسة العربية وفي المسألة الاصولية والفلسطينية. وقد يدخل في هذه المسألة ترتيب الوضع في الجنوب ومسألة المقاومة، ومسألة "حزب الله"، لأن أميركا تملك عند ذلك موقعاً اقوى على الطريقة التي كانت تملكه في حرب الكويت.

اما بالنسبة الى القضية الفلسطينية فاتصور انها سوف تكون القضية الاكثر خسارة لأن السياسة الاميركية الملتزمة إسرائيل سوف تحقق للفلسطينيين دولة فلسطينية ولكن على طريقة المصالح الاسرائيلية. ولهذا اعتقد ان الخاسر الاكبر في أحداث 11 ايلول والحرب على الارهاب هو القضية الفلسطينية ويبقى للفلسطينيين وعليهم معرفة كيف يستطيعون تخفيف الخسائر لأن من الصعب ان يتحدث الانسان، امام ما تنتظره المنطقة، عن الارباح".

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic