لماذا لا يزال العرب يقيمون في جنوب العصر؟

كمال البكاري

جريدة السفير (لبنان)

الجمعة، 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2002

 

     في الدول المتقدمة، يحتاج المرشح، او المترشح، للرئاسة، في بعض الاحيان، الى صوت واحد كي يفوز. ويحتاج، في بعض الاحيان، الى حكم قضائي يثبت فوزه ويعلنه رئيسا. هذا ما حدث في الانتخابات الرئاسية الاخيرة في الولايات المتحدة الاميركية. 

في تلك الدول، تحتاج الأمة، احيانا، الى مواطن بسيط واحد، يحسم امرها، ويقرر مصيرها، ويحدد وجهتها في التاريخ والجغرافيا. 

ويعي المواطنون فيها، من ماسح الاحذية حتى الرئيس، ان قانون النسبية يبقى القادر على جمع ما يمتنع جمعه: به تجتمع العناصر التي تؤلف القنبلة الذرية، وبه تجتمع الاعراق والمذاهب والاثنيات المتناحرة، وهو القانون الديموقراطي بامتياز، بل هو العمود الفقري للديموقراطية... يفهم المواطنون، في تلك الدول، ان الحاجة الى صوت شخص واحد (رجلا كان او امرأة) او الى حكم قضائي، هي علامة على سوائية الافراد في المجتمع، وعلى الحالة الصحية التي تتمتع بها مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، التي ترعى حق الحاكم والمحكوم في الحرية والكرامة، أي في الانسانية. 

(...) ولأن حقيقة ما قبل جبال البيرينيه ليست هي نفسها حقيقة ما بعدها، كما يقال، فإن تلك الحاجة، التي تراها تلك الدول المتقدمة علامة قوة وصحة وسوائية، ليست في نظر الشعوب “المتقدمة” الاخرى (اي العالمثالثية) الا علامة ضعف ومرض وتخلف يترجمها قانون النسبية نفسه. ويرى العالمثالثي (وهو كائن لم يصبح بعد مواطنا، اي إنسانا معاصرا) ان تلك الديموقراطية هي التي تجعل المرشح للرئاسة يحتاج الى صوت واحد او الى حكم قضائي... أوليس من المضحك والمحزن في الآن عينه يقول العالمثالثي ان يكون الرئيس صاحب حاجة أصلا؟! أوليس الفوز بنسبة 51% هو واحدة من ابشع فظاعات الديموقراطية التي تفلت ايدي المواطنين، بمن فيهم السوقة والاوغاد والرعاع، على صناديق الاقتراع من دون تدخل، وفي اضواء البث المباشر، تدعمهم منظمات حقوق الانسان الارهابية؟! 

تلك النسبة المذكورة، في قراءة العالمثالثي، هذا الكائن العجيب، ليست إلا نصف الديموقراطية. بل ويذهب الى ان نسبة 99% هي ايضا علامة على الضعف والوهن والنسبية والنقصان والفقر والحاجة، بل إنها اهانة للرئيس والشعب او الأمة، وحط من كرامة الانسان فردا او جماعات!! هذا، مع العلم ان هذا “المواطن” (والمواطن بالعربي المعاصر هو مجرد “مواطن”، اي مجرد نكرة مقصودة لا قاصدة، اذ هي بلا قصد، وهي هكذا، الهكذية البلاقصدية) يعلم ان ال99 هي عدد اسماء الله الحسنى!! 

(...) الرياسة في العالمثالثية مقام آخر. فليست انتخابات شعبية بقدر ما هي انتخاب إلهي. ولعل هذه الموضوعة تأخذ صورتها الاكثر وضوحا في العربية وبها. فالعرب في توصيف ابن خلدون “هم ابعد الناس عن السياسة”. وهم، في القراءة التحليلية التي يقدمها علي زيعور، والتي نراها دقيقة، لا يملكون نظرية في السياسة، ف”النظرية السياسية العربية لا تزال غير موجودة”. 

(...) ليست السياسة، اذن، هنا، علما بشروط العمران وفاقا لمقتضيات المعاصرة، وليست هي ايضا، فناً لإدارة الاختلاف، وليست آداباً يقتضيها السكن في الحياة الجديدة... ليست السياسة، في العالمثالثية، ومنها العربية في صورة اوضح، كل هذا، ولا هي شيء من كل هذا، وإنما هي مقام آخر: مقام “الواحد” لا مقام “المتوحد”. ومقام تدبير “الواحد”، لا مقام “تدبير المتوحد”. السياسة، هكذا، هي الهكذية البلارؤية ولا روية. هي ما تصنعه الصدف العمياء والخبط عشواء، وما تنتجه حتمية غاشمة وقدرية قاهرة وظروف محلية وإقليمية وعالمية آسرة كاسرة!! 

(...) ليست ثمة نظرية سياسية عربية، بالمعنى الحديث والمعاصر. لكن ثمة “المستبد العادل” وهي اكبر وأقدم نظرية عربية في السياسة والحكم، بل قل: هي نظرية النظريات. فالرئيس، أي المستبد العادل، هو الانسان الإله الذي يركن الوعي الشقي المستريح لحكمه. وقد تطورت هذه النظرية، مع كر الزمان الذي هو التاريخ، فابتلع المستبدُّ العادلَ، فأعلن “الحكم لله”. وأُسقط في ايدي المعلنين ان “الحكم” مطلقاً و”الحكم” نسبياً هما واحد هو “الحكم”، على اعتبار ان ال”مطلقا” وال”نسبيا” هما ناسخ ومنسوخ بالتواطؤ والتراضي والتفاهم المسبق على تبادل الادوار والعلائقيات (حتى ان المنقلب على الحكم او على السياسة او على الحزب او على الشعب او الامة او على الوجود او على العدم الخ.. لديه ما يقنع أي كائن في الكون، بأن الله هو من دبر امر الانقلاب وهو صاحبه والمخطط له. أما هو، أي المنقلب، فهو لم يفعل سوى التنفيذ المأمور به انطلاقا من ان المؤمن الحقيقي هو الذي لا يعصي الله في تنفيذ حكم الله)!! 

(...) إن البطولة الفردية في التاريخ ليست نظرية غربية، بل هي عربية بامتياز! وعليه فإن هيغل، مثلاً، إما ان يكون بالاصل والفصل عربيا، واما ان يكون سارقا لهذه النظرية وحسب. 

وأمام هذه الاشكالية الاحروجية (من أحروج وهو أفعول، من احراج، قياس الاحراج في المنطق)، فإن صاحب العقل “الراجح” سيرجّح ان هيغل هو هما معاً!! ثم لا شك في ان نظرية البطولة الفردية في التاريخ، هذه، هي بنت أمها التي هي نظرية “المستبد العادل” الذي لا يستطيع ان يعدل حتى في توزيع استبداده (لأنه يعي ان العدل في توزيعه يخفف، ولا شك، من وطأة الاستبداد). وهي (أي البطولة الفردية) وحدها التي تحسم أمر الرياسة والسياسة حسما نهائيا ومطلقا لا يحتمل هشاشة النسبية: فاللازم والواجب والحتمي والضروري واللابدي ان يكون الرئيس، وبالحتمية القدرية، البطل الذي لا يُشق له غبار، والذي يتعالى على النسبة والنسبية والنسبيات لأنه، في الأصل، ينتسب الى جينيالوجيا أخرى “ربانية” لا تصالها يد الشيطان الأرخيائي (الاركيولوجي) او الفيميائي (الفينومينولوجي). ولأن نسبة ال51% او ال99% لا تليق بالبطل، بل وتعتبر اهانة وتحقيرا له وللشعب والأمة والعالمين، فإن الديموقراطية الحقة هي المطلقة لا النسبية. وعليه فإن الرئيس الحق والحقيق هو البطل المطلق: فهو الرئيس، الأعظم، الأكبر، القائد، المجاهد، المهيمن، الجبار، المستبد، العادل، صاحب الفخامة العظمى (وليس لبريطانيا الحق في ان تكون أكثر من بريطانيا، كما لا يحق للجماهيرية الليبية، أيضا، ان تكون أكثر من ذلك). هو المدعوم من الغيب، المبعوث من الله يزكيه بجيش لا مرئي ويحيطه بالعناية، المالك للقدرات الخارقة: يستطيع بهذه الخارقية السير على الماء، وشق البحر بالسيف، وتجميد المياه، تماما كما يجمّد القوانين وصناديق الاقتراع. يستطيع بهذه الخارقية، أيضا، ان يعلق جبلا في الهواء او ان ينقله من مكان الى آخر او ان ينسخه، تماما كما يفعل بالدستور. هو الذي يأتي قبل العاصفة وبعدها، والذي تطلع الشمس، عند ولادته، ضاحكة... هو الذي تنتخبه الملائكة والجن والناس. ويصوّت له حتى من لا يحق له التصويت. 

(...) ان الرئيس، في هذا النحو العالمثالثي، هو “صاحب كرامات”. ولذلك، فهو لا يحتاج الى الشعب او الأمة لانتخابه. ذلك ان نتيجة الانتخابات، فردية كانت أو تعددية، مضمونة بإذن الله وبمشيئة العلي القدير. والضمانة الإلهية، هنا، هي بالمعنى الديكارتي تماما. فالله وحده يضمن “الآيغو” في ال”كوجيتو” كما يقول ديكارت. ان الله يضمن فوزه بالانتخابات حتى ولو أبقى على صناديق الاقتراع مجمدة. والله الذي أرسله رئيسا و”مبشرا ونذيرا” هو الذي يبقيه في الرئاسة حتى بعد فناء الشعب او الأمة التي أرسل إليها. وهو وحده الذي يراقب الانتخابات، ذلك ان مراقبتها دقيقة وحساسة، فلا يستطيع الانسان النسبي، الضعيف، المجبول على النقائص والصغائر، مراقبتها!!! 

السياسة، في هذا النحو العالثمالثي، نبوئية، سحرية. والرئاسة، فيه أيضا، “ربانية” محملة بالكراماتي والخوارقي والمعجزاتي، ومحمولة عليه. 

(...) في العلوم الإنسانية، في الإناسة كما في النياسة، في علم النفس السياسي كما في التحليل النفسي، السياسة، في النحو المذكور أعلاه، هي حالة مرضية ممرضة، حالة عيادية. والرئاسة هي أيضا كذلك، حالة فصامية، بامتياز، تستوجب الفحص السريري والعلاج المطلوب المكثف. ثم ان الفلسفة ترفض المستبد والاستبداد، جملة وتفصيلا. تفكك أسطورة البطل وتعادي، تلقائيا، الدكتاتورية، وبلا هوادة، إذ ترى فيها ما يعادي الانسان والعقل والطبيعة والكون والدين والله... باختصار، تناهض الفلسفة العدمانية والانتماء الى العدم، تماما كما يناهض علم الطب والصيدلة أي سرطان يتهدد الجسد. تقارع الطاغية والجهالة والتفرعن وتثبت الديموقراطي والشوراني انطلاقا من مقولات العقل والارادة والحرية... 

(...) التفسير العالمثالثي، والعربي منه، لأوضوعة “العناية الإلهية” و”التدخل الإلهي”، هو تفسير ضارب في السحرية والغرائبية والأسطرة، به يوطّن العدم ويستوطنه... هكذا يفعل، بدلاً من ان يختط وعيا يتجاوز وعيه الكارثي، ويخترط له في جغرافيا العصر وطناً!!! 

(...) متى يدرك العرب، ومن نحا نحوهم، ان الإقامة في جنوب العصر هي اقامة خارج الوطن، وان الوطن هو العصر الذي تتوجب عليهم صناعته انطلاقا من نقطة جذرية في الوعي بالعصر نفسه، وليس انطلاقا من أسطورة او أسحورة او أعجوزة؟

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic