قوس الأزمة

مصطفى الحسيني

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2002

 

     حتى لا تستغرقنا “نظرية المؤامرة” بفعل ما نتعرّض له من فلسطين إلى العراق، قد يفيدنا أن نمد بصرنا إلى ما هو أبعد من مواطئ أقدامنا وأن نستشرف الأفق الجغرافي المحيط بنا. 

إن فعلنا ذلك نجد مرتعاً شاسعاً من الاضطراب وعدم الاستقرار يمتد من باكستان في الشرق إلى الشواطئ المغربية للمحيط الأطلسي غرباً ومن تركيا شمالاً إلى عمق القارة الأفريقية جنوباً. 

وإن حاولنا استكشاف أسباب الاضطراب وعدم الاستقرار هذين فقد ننشد الراحة في إرجاعهما إلى تاريخ الاستعمار. لكننا إذا وضعنا ذلك التاريخ جانباً باعتبار أنه حدث وتمّ في الماضي ولم يعد من الممكن تغييره وإن بقي أداة لا غنى عنها من بين أدوات أخرى لتحليل تلك الأوضاع، إن فعلنا ذلك وجدنا أمامنا الأسباب الداخلية واضحة ومحزنة وفي معظم الأحيان مشينة. وجدنا الجهل الصانع للتخلف. وجدنا إعلاء سلطة الدولة على مصالح الوطن. وجدنا اختزال الوطن في نظام الحكم واختزال الأمة في “القائد”. وجدنا اتخاذ السلطة سبيلاً إلى اغتنام ثروات البلاد نهباً ووسيلة للاستبداد. وجدنا خوف الناس من سطوة الحكام وتخوف الحكام من غضبة المحكومين، والنتيجة في الحالين استحالة الديموقراطية. وجدنا أحادية النظر. وجدنا الماضي أملاً للمستقبل وحجاباً دونه. ولا حصر للتعداد. 

ليس هنا مجال تشخيص أسباب ما تعاني منه هذه المنطقة من داخلها؛ لكن عرضاً عاماً وخاطفاً لبعض الأمثلة يمكن أن يحررنا من “نظرية المؤامرة”؛ 

من إيران، حيث لا يبدو نظام “الجمهورية الإسلامية” مرشحاً للاستقرار، الصراع المتزايد الاحتدام بين فريقي “المحافظين” و”الإصلاحيين” لا تحركه مؤامرة استعمارية أو خارجية من أي نوع، إنه يدور بالأحرى بين من يتطلعون إلى وفاء الثورة الإسلامية بوعودها الدنيوية وهؤلاء الذين يتوسلون الدين أداة لتعزيز سلطانهم على الناس على خلاف إرادتهم ولا يأبهون بكون السلطان مفسدة بما هو عرض زائل من أعراض الدنيا وبما يحمله ويحيط به من زخرف الأولى بتديّنهم النأي عنه. 

.. إلى العراق الذي يقف على شفا حرب تكاد تكون محتومة. الحرب بالتعريف فعل يتصل بالخارج. وفي هذه الحالة المعينة هي عدوان جائر. لكن هذه الحرب الماثلة ليست السبب الوحيد ولا الرئيس لما يعانيه شعب العراق. الأسباب سنجدها في السياسات التي أتاحت فرض العقوبات التي عانى منها الشعب دون حكامه. سياسات الحرب المجانية لحساب الأميركيين ضد الجيران الإيرانيين. سياسات غزو أرض الأشقاء بوهم أن ذلك يوفر له أداة ضغط للحصول على “مكافأته” على المهمة التي أداها ضد إيران. السياسات التي قررها فرد بمفرده، لا يستمع إلا لمن يوافقونه تملقاً وطمعاً. السياسات التي أدت إلى هروب أكفأ العراقيين بحياتهم خوفاً من البطش. السياسات التي أوصلت شعباً ذا تاريخ في الإبداع إلى تخوم العقم. 

إلى تركيا التي يجوز القول إنها “ليست منا ولسنا منها” والتي هي على أي حال أفضل حالاً منا. في تركيا أيضاً صراع محتدم ذو مصادر داخلية. صراع يمكن تلخيص محركاته بأنه يدور بين طبقة سياسية/ عسكرية تريد تكليس البلاد في “العلمانية” الأتاتوركية، التي كانت في جوهرها رد فعل على التدهور العثماني، أكثر من كونها مشروعاً ولا حتى تصوراً لإطار لمستقبل البلاد، وبين طبقة سياسية جديدة تضطرب بين محاولة ما تعتقد أنه هوية إسلامية للشعب وبين إدراكها العملي لمتطلبات البلد في هذا العصر. 

إلى المملكة الأردنية التي تتنازعها حال تتوزع رؤيتها لنفسها أرضاً وشعباً جزءاً لا يتجزأ عن فلسطين التاريخية وحصيلة تاريخ فرض عليها من خارجها وداخلها أدى بها لأن تصبح امتداداً أمنياً لعدوها. 

يقصر المجال عن الاستطراد في ضرب الأمثلة حتى يصبح مسحاً ليس هنا مجاله للأوضاع وأسبابها في هذه المنطقة المضطربة. لكن ما سبق كان تمثيلاً لأوضاع القوس الذي يحيط بالبؤرة التي تتجمع فيها وتتركز صورة الأزمة. ولعله يكفي نموذجاً على الأسباب الداخلية لما يسودها من تدهور هو الصانع الأساس للاضطراب ومحركه. ولما هو ممسك بتلابيبها من تخلف وجهته تزايد التدهور. ولعله حافز كاف للتخلي عن الاحتماء بـ”نظرية المؤامرة” الخارجية، هروباً من مواجهة الأوضاع الداخلية. 

ولعله، إن نجحت مفاعيل الصراع الدولي في درء خطر الحرب على العراق، يعصمنا عن تهنئة أنفسنا بنجاحنا في التغلب على “المؤامرة” على العراق. 

بل لعله يساعدنا على أن نرى أنه إذا كانت ثمة مؤامرة على العراق أو على أي من بلادنا أو علينا جميعاً، فإن خيوطها من نسج أيدينا ومن غفلتنا التاريخية.

 
  

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic