وهم الديمقراطية الإسرائيلية

أورن يبتحال

مجلة الإنتقاد (لبنان)

الجمعة، 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2002

 

     تدأب الأكاديمية الإسرائيلية على إعادة دراسة جملة من المنظومات والمفاهيم المتعلقة بالنظام السياسي والمجتمع الإسرائيلي بهدف تطويرها وإزاحة الشوائب عنها، وفي سبيل ذلك ينشط الأكاديميون الإسرائيليون والمراكز البحثية المختصة في توصيف الواقع ال"إسرائيل"ي من جميع جوانبه وتقديم الاقتراحات. إلا أن بعضاً من هذه الجوانب ـ على الرغم من أهميتها وباعتراف المختصين الإسرائيليين أنفسهم ـ يبقى غير قابل للتقويم نظراً للخلل البنيوي الذي رافقها منذ قيام الدولة، ومحاولات بلورة مجتمع مدني مصطنع يحكمه نظام سياسي يعبر عن جماعات ذات أهداف مختلفة ومتناقضة في أحيان كثيرة. 

يسلط أورن يبتحال المحاضر في كلية الجغرافية في جامعة بن غوريون ضمن المسعى المشار إليه نفسه، الضوء على أوهام ثلاثة يتداولها الصهاينة للتعبير عن مفهوم "الإسرائيلية": وهم الديمقراطية الغربية، وهم وجود "مجال إسرائيلي" (domain)، ووهم وجود "هوية إسرائيلية" مشتركة.. ننشرها كما وردت من دون تعديل على ثلاث حلقات، تمكيناً للقارئ من الإحاطة بحجم الوهم المتداول لدى البعض حول نجاح الصهيونية في إيجاد مجتمع ودولة متجانسين وقادرين على الاستمرار. 
 

**********


     ما زالت إسرائيل تعرِّف نفسها عن طريق ثلاثة أوهام لا تصمد أمام اختبار الواقع: وهم بأننا "ديمقراطية غربية"، وهم وجود "مجال إسرائيلي"، ووهم وجود "هوية إسرائيلية" مشتركة. 

الرأي السائد في الخطاب الإسرائيلي اليهودي، إن لجهة السياسيين أو الجمهور أو حتى الأكاديميين، هو تملّك "إسرائيل" لنظام ديمقراطي غربي. ويشجع هذه الفرضية الأساسية عدد كبير من النقاشات والدراسات والإصدارات التي تصدر عن الأكاديمية الإسرائيلية. وعندما يُثار النقاش، فهو يدور حول نوع الديمقراطية (الإسرائيلية) وليس حول أصل وجودها. وكنموذج جيد على ذلك الحوار هو المقالة المنشورة في مجلة "بانيم" في العام 1999 لبني نويبرغر، المحاضر المعروف في العلوم السياسية، الذي يدعي فيها بأن لـ"إسرائيل" "ديمقراطية ليبرالية مع عدة عيوب"، وهي عيوب يمكن إزالتها بحسب رأيه. وفي مقابله يدَّعي سامي سموحة عالم الاجتماع السياسي، بأن "الدولة الإسرائيلية" تُطبِّق نوعاً آخر من النظام، هو "الديمقراطية الأثنية" التي تعطى فيها أولوية بنيوية للمجموعة اليهودية.. ولكن هذه الديمقراطية تحافظ على الحقوق الجزئية للفرد الممنوحة لمواطني "إسرائيل" من العرب. 

النقاش الأكاديمي الإسرائيلي يتوزع غالباً حول هذين التحليلين.. منهم من يؤيد نموذج الديمقراطية الأثنية، وفي مقابلهم آخرون قريبون أكثر إلى التحليل القائل إن لـ"إسرائيل" ديمقراطية ليبرالية. وتلقَّت التحاليل الأخيرة ـ كون "إسرائيل" ديمقراطية ليبرالية ـ دعماً بارزاً في السنوات الأخيرة من قبل القاضي أهارون باراك رئيس محكمة العدل العليا، حيث ادعى في سلسلة من المقالات والمحاضرات انه في أعقاب التغييرات التشريعية.. تحوَّلت "إسرائيل" إلى ديمقراطية دستورية ليبرالية. 

ادعائي هنا هو أن هذا النقاش المثمر مشوَّه في أساسه، إذ انه لا يوجد في "إسرائيل" ـ أقلّه إلى الآن ـ بنية تحتية سياسية مكانية وقانونية، لإيجاد نظام ديمقراطي. الباحثون مترددون بين "نكهات سلطوية" قادرة على إبراز إجراءات ضحلة نسبياً للمؤسسة السياسية، كإجراء انتخابات تنافسية، إعلام مفتوح وحقوق معينة للفرد، وبين "بنية تحتية للنظام" تتضمن أسساً عميقة لمنظومات القوى، مثل "المجال الإسرائيلي"، هوية الدولة، حدود المجتمع السياسي والثقافي ودور الدين في بلورة المجتمع. وبشكل عام البنية التحتية النظامية التي تحدِّد حدود الحرية لهذه النكهات. 

في النقاش الإسرائيلي الأكاديمي كما في النقاش السياسي و"الانتخابي"، لا يكاد يكون هناك مكان يُتطرق فيه الى البنية التحتية للنظام. وتحديداً من هنا يتطور الوهم الديمقراطي، فإذا نظرنا فقط إلى هذه النكهات نستطيع في الواقع أن نرى نظاماً متنوراً وديمقراطياًَ. ولكن إن نظرنا في العمق، فإن هذه النكهات نفسها ستبدو مجرد سطح مبني من دون جدران وأسس، بحيث لا يستطيع هذا السطح وحده حماية الساكنين تحته خلال العاصفة، كما حدث في العاصفة التي هبت في العام الماضي. 

"الجدران" المفقودة هي عناصر النظام البعيدة المدى التي تمنح الساكنين في كنفه الشعور بالعدل والانفتاح، كما أنها هي نفسها التي ترفع مشاكل الأقليات إلى صراع سياسي من دون أن تتحدى أسس النظام. ولكن عندما يتضح للمجموعات الأخرى مثل الفلسطينيين الموجودين (تحت سيادة السلطة الإسرائيلية على جانبي الخط الأخضر)، أن الديمقراطية هي في الواقع وهم وسراب ومن غير الممكن الوصول إليها، فإنهم يتوجهون لاستخدام الطرق الأخرى، مثل محاولات دفع النظام إلى الانهيار. كما يمكن أن يرتدي هذا الأمر أوجهاً متعددة، بما فيها التراجع والانطواء، وحتى الارتباط بجهات دولية والعنف. 

أين تكمن المشكلة بالضبط؟ أين هو خلل "الجدران" في النظام الإسرائيلي؟. 

الخلل الجوهري كامن في حقيقة أن "إسرائيل" ما زالت إلى الآن تعتبر دولة متهودة، وليس فقط يهودية، وإنما متهودة. هذه هي البنية التحتية للنظام في العمق. أغلب أسس السلطة تستهدف استمرار المشروع الكبير للصهيونية، وهو تهويد فلسطين.. ومن أجل ذلك أُنشئت وسُنَّت منظومة كاملة من القوانين والمراسيم والمؤسسات بهدف السيطرة اليهودية وتمددها على المنطقة المتنازع عليها. وهي منظومة تمس بالمبادئ الأساسية للديمقراطية. 

وهكذا تُخرق القواعد في الأنظمة الديمقراطية، وتخرق الهجرة والمواطنة منظومة القوانين، الاقتصاد، الأرض، الثقافة والجيش. ففي "إسرائيل" تستهدف هذه المنظومات بشكل أساسي خدمة مشروع التهويد من أجل مجموعة أثنية قومية واحدة، وهي تمس بالمجموعات الأخرى. 

سياسة الهجرة والتجنيس على سبيل المثال، تسمح فقط لليهود بالانضمام إلى التجمع السياسي، من خلال: منع عودة الكثيرين من أبناء البلاد وعائلاتهم (اللاجئون الفلسطينيون)، قوانين العقارات التي نقلت حوالى 93% من أرض الدولة داخل الخط الأخضر، إضافة إلى حوالى نصف المناطق المحتلة في العام 1967، إلى ملكية وإدارة الدولة اليهودية (بعدما كان تحت سلطة اليهود في العام 1948 ما يقارب الـ8% فقط من مساحة فلسطين)، سياسة التخطيط العمراني أدت إلى إنشاء حوالى 800 قرية يهودية في "إسرائيل"/ فلسطين، في مقابل حوالى 20 قرية عربية في نفس الفترة (التي بُنيت أيضاً ضمن إطار التمدن الإكراهي للبدو في الجليل والنقب). البنية التحتية للنظام تشمل أيضاً القوى المسلحة التي هي تقريباً فقط لليهود (مع حلفاء من طوائف صغيرة)، وأيضاً تدفق رأس المال وتطوير التجمع السكاني اليهودي، ومنظومة القوانين التي تُحصِّن يهودية الدولة كهوية أساسية ولا تُمكِّن من القيام بنشاط ديمقراطي يعمل على تغييرها. 

النكهة الديمقراطية والمهمة التي تبرز في الانتخابات، تُعمي العيون عن النظر بعمق لانتقاد هذا التشوه الجوهري، فالانتخابات الإسرائيلية ليست شاملة كما يتطلب النموذج الديمقراطي، وليست مفتوحة لكل السكان المحكومين من قبل النظام الإسرائيلي (الذين يعدون حوالى ثلاثة ملايين فلسطيني). لذلك فمقولة أن "آرييل شارون قد انتُخب بشكل ديمقراطي" هي مقولة غير دقيقة. فكما هو معروف، فإن المعنى الأساسي للانتخابات مرتبط بسياسة "إسرائيل" في المناطق، حيث لم يتقدم شارون هناك للانتخابات. الانتخابات في "إسرائيل" أيضاً ليست حرة، فالأحزاب التي تعمل ضد الطابع اليهودي للدولة بشكل ديمقراطي، لا يحق لها المنافسة في الانتخابات. خلاصة الأمر: في ظل غياب انتخابات شاملة وحرة لا يوجد شرعية ديمقراطية للسلطة، ولا تُصنَّف "إسرائيل" كنظام ديمقراطي. 

تحت السلطة الإسرائيلية يوجد أيضاً حوالى ثمانية أنواع من المواطنة أو الإقامة، وهي أنواع غير متساوية، مُنظمة بشكل رسمي عبر منظومة قانونية ومؤسساتية. حيث يحكى عن مواطنة يهودية عادية، مواطنة حريدية، مواطنة درزية، مواطنة بدوية، مواطنة عربية داخل الخط الأخضر، مواطنة فلسطينية شرقي القدس، مواطنة الفلسطيني "العادي"، إضافة الى العمال الأجانب.. لكل مجموعة هناك منظومة منفصلة من الحقوق والإمكانات، ولا يوجد إمكانية لتصنيف هذه المنظومات كديمقراطية، وذلك يعود إلى أن المواطنة المتساوية هي المبدأ الأساسي غير القابل للتجزيء في الديمقراطية. 

في هذه المرحلة من المناسب توصيف بعض المسائل: يوجد في "إسرائيل" بالطبع عناصر ديمقراطية مهمة لا يُستخف بها، وبشكل خاص مقارنة مع وضع الأنظمة في أغلب الدول المجاورة. ومن الواضح أن الديمقراطية ليست مسألة "أسود - أبيض"، ولكن في الدول التي يوجد فيها أنظمة ديمقراطية مستقرة ومعتبرة هناك ساحة مفتوحة للصراع السياسي المتساوي. ولكن حتى على المستوى الإعلاني والقانوني في "إسرائيل"، فالمواطنة المطروحة هي وفقاً للانتماء الأثني والديني، ولذلك فالنظام لا يستطيع أن يحصل على الشرعية من سكانه، ولا يحقق لهم الاستقرار والازدهار الذي تضمنه الديمقراطية. 

بعيداً عن فقدان العدل المتعلق بحرمان الأقليات، فالتصنيف الأوتوماتيكي لنظام "إسرائيل" كنظام ديمقراطي هو أيضاً وهم خطير. لماذا؟ بسبب أن هذا الوسم الديمقراطي يمنح سياستها غطاءً أخلاقياً، وبالتالي تستطيع مواصلة حرمان الأقليات والتوزيع غير العادل للموارد.. هذا ما قامت به "إسرائيل" دائماً تجاه قطاعات كثيرة من السكان، وبشكل أساسي تجاه مواطنيها العرب الفلسطينيين في المناطق المحتلة، ولكن أيضاً ـ بشكل أقل ـ تجاه سكان يهود، وبشكل خاص سكان بلدات التطوير و"الأحياء" التي دُفعت إلى الهامش الاجتماعي الاقتصادي والسياسي. 

تحفظ آخر مرتبط بوضع الاحتلال، حيث ادُّعِي في الأغلب أن الاحتلال هو احتلال مؤقت، ولذلك فإن انحرافات كثيرة عن المبدأ الديمقراطي ستزول مع زواله.. "مؤقتية" الاحتلال متواصلة كما هو معروف منذ أكثر من جيل، ويسكن حوالى 400 ألف إسرائيلي في المناطق المحتلة (بما فيها شرقي القدس) ويمنعون إعادتها.. استمرار الاحتلال أيضاً نابع في جزء منه، من التهديد العنيف المتأتي من الانتفاضة الفلسطينية في السنة الأخيرة، ومن الغضب الإسرائيلي إزاء رفض اقتراحات السلام الإسرائيلية والأميركية. 

من الممكن أن نفترض أن أغلب الاحتلال سينتهي في المستقبل، ولكن أيضاً ستضطر حينئذ دولة "إسرائيل" "الصغيرة" لمواجهة عقبات غير قليلة في الطريق إلى تشكيل نظام ديمقراطي حقيقي. وإحدى أكبر العقبات هي مكانة الدين اليهودي في أداء منظومة السلطة. 

كما تمس علاقة الاحتكاك بين الدين والنظام في "إسرائيل" أبعاداً أخرى للديمقراطية.. أولاً قبل كل شيء، فالمؤسسة الدينية تُحدِّد "من هو اليهودي"، وفي "إسرائيل" ليست هذه مسألة دينية فقط، وإنما هي أيضاً مسألة قانونية ـ مدنية، تُقتطع منها حقوق الإقامة والمواطنة.. إذن لدى النظام في "إسرائيل" نكهات ثيوقراطية يهودية غير قليلة، تمس بالمواطنين اليهود غير المتدينين أو اليهود غير الأرثوذكس، بالنساء وبالعرب الفلسطينيين مواطني الدولة، لذلك فهي تبتعد أكثر فأكثر عن الديمقراطية. 

عقبة أخرى أمام الديمقراطية هي نشاط منظمات يهودية دولية، مثل الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي، كما في داخل مؤسسات السلطة في "إسرائيل"، التي تعمل من أجل السكان اليهود فقط. فمنذ العام 1948 تشكل هذه المؤسسات ذراعاً مهمة لعملية التهويد، وبشكل أساسي عبر تشجيع ومساعدة وتنظيم الهجرة اليهودية إلى "إسرائيل"، شراء الأراضي وتخصيصها لليهود فقط، إقامة قرى يهودية، التشجير بهدف الاحتفاظ بالمناطق المفتوحة. وكما ذُكر، تُمثِّل هذه المنظمات يهود الشتات التي لا تملك أجهزة ديمقراطية تضمن تحمل المسؤولية إزاء السكان الذين يتأثرون جراء عملها. 

إذن يوجد انحرافات جوهرية بما خص "إسرائيل" عن النموذج الديمقراطي، وهي انحرافات تمنع تعريف دولة "إسرائيل" كدولة ديمقراطية.. وإذا وُجِّه سؤال حول ما هو التعريف الصحيح لـ"إسرائيل"؟ فسأصف النظام الإسرائيلي ـ كما في أعمالي السابقة ـ كنظام "إتنوقراطي". وهذا تعريف أكثر هجومية من أي تعاريف أخرى، وهو يشير إلى المنطق الأساسي للنظام: يهودية الإقليم ويهودية منظومات القوى، ويهودية الأهداف والمسارات التي تقف خلف بلورة السياسة المؤسساتية لـ"إسرائيل".. 

* البروفيسور أورن يبتحال محاضر في كلية الجغرافية في جامعة بن غوريون، النقب 

** مترجم عن مجلة بانيم / فصلية تصدر عن نقابة المعلمين في الكيان الصهيوني/ العدد 20/ أيار ـ مايو2002 

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic