أسكتوا “الجزيرة” !

عباس بيضون

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2002

 

     لست من أنصار “الجزيرة” لكن هذا ليس هو الوقت المناسب لأحصي ملاحظاتي عليها، فالسؤال الآن هو لماذا يغلقون مكاتب “الجزيرة” في البلدان العربية، بلدا بعد بلد ومكتبا بعد مكتب. السبب الأول هو أن “الجزيرة” تستضيف معارضين، منفيين في الغالب ومبعدين، فيقولون في أنظمة بلدانهم ما حبسوه في صدورهم وما وسعهم أن يقولوه. لا يخلو سلوك “الجزيرة” من خبث واستفزاز لكن هذا عمل الصحافي وتلك مهنته. تستضيف “الجزيرة” معارضين مقبولين ومعارضين من سقط المتاع ومعارضين بلا كلمة، وهي لا شك تفعل هذا عامدة، فبعض المعارضات حجة للنظام بالطبع وبعض المعارضات فضيحة بحق. لكن ما لنا وخبث “الجزيرة”، لنبق عند صحافتها وحقها في التعبير. دعك من المعارضات ومستواها، لنبق عند حقها في التعبير أيضا. حين تستضيف “الجزيرة” معارضة ما تكون هذه صحافة وتلك معارضة، ولا نستطيع أن نتخيل صحافة بلا معارضة، والمحطة التي تخطت السي.ان.ان أيام حرب أفغانستان هي محطة بحق وعليها أن تبقى. 

الدولة التي تغلق مكاتب “الجزيرة” تفعل ذلك لأنها عربية ولأنه من المحرج بمكان أن يوجد منبر عربي حر. من المحرج بمكان أن تكون هناك أمثولة عربية، من أي نوع كان، لصحافة حرة ولنشرة أخبار لا تنقل فقط أخبار البلاطات العربية الجمهورية والملكية، الثورية وغير الثورية. من المحرج أن يكون هناك لسان عربي حر. كان لبنان من قبل هذا اللسان فأخرسوه. “الجزيرة” طبعا لا تشرك قطر في سجالاتها. لكن “الجزيرة” أيضا لا تنام وتصحو على صورة حاكم قطر. 

لا داعي للدفاع عن “الجزيرة”. بعض برامجها في فرض واستبداد الأنظمة، خطابية مذيعيها في أحيان كثيرة تخرق الأذن، خطاباتها السياسية هي في الغالب من لغة عفا عليها الزمن، هذا صحيح لكن الحرية لم تغد بعد إرثا قديما. و”الجزيرة” دون كل المحطات العربية تملك حق أن تستقبل معارضين يتكلمون بالعربية في صحافة عربية وعلى أرض عربية وهذا ما لا يحتمله العرب الحاكمون. 

لو كان هذا بلسان غير عربي لهان الأمر قليلا أو كثيرا. لو جاء هذا في محطة أجنبية وبلسان أجنبي لهان الذم وهان النقد وهان السب، لكن أن يشتم المرء في دياره وبلغته فهذا ما لا يطيقه حاكم عربي. إذا قبل الحاكم صحافة أجنبية فلأن الأجانب لا يدخلون في تراتبنا وأعرافنا. وفي تراتباتنا لا مكان رفيعا للصحافة، في تراتباتنا لا تستقل الصحافة بمكان وليس للصحافة سوى مقام التابع إذا وجد لها مقام، في تراتباتنا لا يبدو للمعارضة وجه ولا مقام ولا مكان، وفي أحوال كهذه تبدو المعارضة، قبل أن تكون موقفا، انتهاكا اجتماعيا وتعديا على المقامات. تبدو المعارضة قبل كل شيء كما تبدو الصحافة فضيحة اجتماعية وتجرؤا للعامة وانتقاصا من المقام، اذ لا سبيل الى حفظ السلطة إن لم تكن مرتبة اجتماعية ومقاما عائليا ومشيخة معلنة أو مستورة. في حال كهذه لا يسمح لمحطة عربية وبلسان عربي أن تعترض، ذلك أن الاعتراض، أيا كان الاعتراض، هو انتفاض العامة على المشيخة والعبيد على الأسياد والأقل مقاما على الأعلى، وفي هذا بالطبع لا مكان لمعارضة أو كلمة أو اختلاف. 

المكاتب التي أغلقت ل”الجزيرة” هي دلالة على ذلك، دلالة على أن السياسة عندنا لا تزال في الغالب لعبة أصل، أو لعبة مقامات وعائلات وجماعات، ولا يسعنا بالطبع أن نفهم لماذا يؤذي كلام المعارضة كل هذا الأذى إن لم نفهم أنه قفز على المقام وتطاول على المشيخة التي لا تقوم بدونها سلطة في ذلك المفهوم “الأعرابي” الذي لا يفهم السلطة سوى مقام. 

إغلاق “الجزيرة” في بلد بعد بلد ليس شهادة لها بالطبع، لكنه دليل على أن الحرية ليس لها بعد إسم عربي.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic