ما هي المعطيات الجديدة لتحذير نصرالله؟

إبراهيم بيرم

جريدة النهار (لبنان)

الخميس، 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2002

 

     ربما تكون المرة الاولى يتحدث فيها الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بهذه الصراحة والوضوح عن امكان ان تستغل اسرائيل مناخات الضربة الاميركية للعراق وتداعياتها وتشرع تاليا على الفور في شن عدوان على لبنان وسوريا. ففي الاشهر الماضية، كان المسؤولون في الحزب يستبعدون هذه الفرضية، متكئين على تحليل لمجريات الامور في الاراضي الفلسطينية المحتلة وتنامي المقاومة الفلسطينية وتطور عملها النوعي مما يشكل استغراقا كاملا للكيان الاسرائيلي يحول دون تفكيره في فتح جبهات مواجهة جديدة على حدوده الشمالية، ويخرجون منه باستنتاج جوهره ان حسابات رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون الداخلية والخارجية، تمنعه من سلوك هذا المسلك الوعر، وطبعا ينهون هذا التحليل بخاتمة مفادها ان الطبيعة العدوانية لاسرائيل لا تلغي نهائيا اي احتمال مهما بلغت درجة ضآلته. 

وعليه فان السؤال المطروح حيال هذا الكلام الجديد نسبيا للسيد نصرالله عن احتمال توجيه اسرائيل ضربة للبنان وسوريا تحت جنح الضربة الاميركية للعراق وما سينجم عنها من خلط للأوراق: ما الجديد الذي قرأته دوائر القرار في "حزب الله" لتطلع بهذا الاستنتاج، وليبني عليه الرمز الاول في الحزب والذي لا يطلق عادة الكلام على عواهنه، ويرد بأننا أعددنا للأمر عدته؟ 

المعطى الاول والاساسي الذي تبني عليه هذه الدوائر هو حتمية الضربة الاميركية للعراق، فالحزب لم يغيّب في كل تحليلاته ومناقشاته وخطابه السياسي، هذا الاحتمال، ولم يتراجع عنه حتى عندما صدر قرار مجلس الامن الرقم 1441 وظهر من يتحدث علنا عن امكان عزوف واشنطن عن انجاز ما دأبت على الوعد به منذ أشهر. 

والحزب منذ البداية مقيم على رؤية مفادها ان هذه الضربة لا تستهدف فقط العراق وازاحة نظام صدام حسين، بل تأتي ضمن مخطط عام متكامل الحلقات نقطة بدايته في العراق لكن امتداداته وتشعباته تطاول المنطقة كلها بما فيها قضية فلسطين واستطرادا قضية الصراع العربي - الاسرائيلي. لذا، فان الحزب لا يعير اهتماما كبيرا للمقولة التي ما فتئت تبرز بين الحين والآخر وهي ان واشنطن ستفرض على الكيان الصهيوني ان يبقى مكتوفا لا يأتي بأي حركة، ما دامت الضربة للعراق لم تنجز بعد، على غرار ما حصل ابان حرب الخليج الثانية مطلع التسعينات. 

ومما لا شك فيه ان لدى الحزب ملفا ضخما يحوي كل التصريحات الاميركية والاسرائيلية التي تناولته بالذات وهي كلها طبعا عبارة عن تهديدات للحزب وتحذيرات للبنان وسوريا وايران، وثمة في الحزب من أعد دراسة تفصيلية للخط التصاعدي البياني للكلام الاميركي المتصل به وقد تدرجت بالنسبة اليه على النحو الآتي: 

- في البداية كانت التحذيرات الاميركية تتركز على نهي الحزب من اي تحريك او تسخين لجبهة الجنوب يخرج الامور عن نطاقها المألوف. 

- ثم صار الحزب مدرجا، في التصريحات الاميركية، في خانة المنظمات الارهابية التي يطاولها سيف الملاحقة الاميركية. 

- وفي المرحلة الثالثة صار الحزب، في العين الاميركية، بمنزلة الاخطر من تنظيم "القاعدة" والمتقدم عليها ويتعين ان تكون الاولوية توجيه ضربة له. 

وقد رصد الحزب في هذه الدراسة ان الكلام الاميركي الموجه اليه أتى من كل مستويات الادارة الاميركية. 

اما بالنسبة الى الخطاب الاسرائيلي الموجه للحزب فقد كان التركيز الابرز فيه على مسألة تنامي قدرات الحزب العسكرية والتنظيمية، وامتلاكه المزيد من الصواريخ والاسلحة البعيدة المدى التي تطاول العمق الاسرائيلي. والواضح ان الحزب لم يكن يوما في موقع المستاء او المتضرر من ان يكون هو وبشكل يومي حاضرا في صدارة التصريحات الاسرائيلية، وخصوصا مع تنامي ضربات المقاومة الفلسطينية في الاراضي المحتلة، ولم يكن بالتالي يخفي سعادته من ان يضحى عبئا يثقل كاهل القيادة الاسرائيلية، التي سرعان ما تشير اليه بأصابع الاتهام مع كل ضربة نوعية متطورة تنفذها المقاومة الفلسطينية في الداخل ضد الآلية العسكرية الاسرائيلية. ولم يكن الامر في حسبان الحزب مسألة تعويض معنوي للظروف السياسية التي تحول دون تصادمه يوميا مع الجيش الاسرائيلي في مزارع شبعا او سواها، بل كان ينطلق في ذلك نحو مرامٍ أبعد تتصل عموما برؤيته الى مستقبل الصراع العربي - الاسرائيلي، واظهار عجز اسرائيل عن تحاشي مخاطر حضوره على طول الحدود اللبنانية - الاسرائيلية، ووجود مقاوميه على مرأى من المستوطنين الاسرائيليين. وقد زاد المشهد تعقيدا مبادرة الحزب الى توجيه انذار صارم لاسرائيل، بأن شمالها سيكون خلال دقائق معدودة تحت نيران الحزب، اذا فكرت في منع تدشين مشروع ضخ مياه نهر الوزاني الى القرى التي تحوطه. 

ولم يكن أمرا عابرا ما قاله السيد نصرالله في معرض رده على كلام لشارون تحدث فيه عن ان صواريخ الحزب تصل الى اكثر من مئة كيلومتر من ان ذلك يعني ان ثمة أكثر من مليون اسرائيلي عرضة للتهجير، فهذا الكلام، وفق تفسير لاحق، استبطن تأكيدا ضمنيا ان في مقدور الحزب فعل ذلك. 

واستتباعا لهذا الكلام جاء ليل اول من امس خطاب السيد نصرالله والذي تكلم فيه عن ان الحزب يطمح الى انتصار أكبر من انتصار ايار عام 2000 "ستكون له آثار استراتيجية أكبر وأخطر" على اسرائيل نفسها. 

والحزب لا ينكر ان مثل هذا الكلام يصدر عن ثقة زائدة بالنفس، وعن استئناس أكيد بقواه الذاتية، فهو يؤكد ان الفترة الزمنية التي انقضت على الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب لم تكن فترة استكانة وهدوء او استراحة المحارب بالنسبة اليه. فخلال هذه المدة كان الحزب يعمل وكأن المواجهة مستمرة، لذا كان يرفد قواه المقاومة وعناصره المقاتلة التي لم تُسرح ويطور قدراته بما يزيد من فاعلية مواجهته لأي عدوان اسرائيلي. 

وطبعا يرفض الحزب الافصاح عن مدى هذا التطوير عدة وعديدا، لكنه يشير الى ان الطموح ليس بناء جيش بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، يفرض توازن قوى بين المقاومة واسرائيل، بل هو اعداد مستمر لمواجهات استراتيجية طويلة المدى، وافهام القيادة الاسرائيلية ومن يعنيهم الامر بمدى الصعوبة والتعقيد اللذين ستلقاهما اذا فكرت جديا في فتح المعركة على الجبهة الشمالية. 

ولا يغيب عن ذهن الحزب امكان ان تتوسل اسرائيل مثل هذا الكلام عن تنامي قدرات الحزب، وتتذرع به لتجعله مطية وتبريرا لأي عدوان، تحت عنوان عريض جاهز هو "الضربة الاستباقية"، ولا يغيب عن باله ايضا ان اسرائيل تتحدث أحيانا كثيرة عن قوة الحزب لتستدرجه الى الافصاح عما لديه في معرض النفي او الاثبات، لذا فانه مدرج لدى الحزب فكرة عدم التعليق على أي كلام اسرائيلي لا سلبا ولا ايجابا. لكن ومع ذلك كانت الغاية من التحذير امكان استغلال اسرائيل الحرب على العراق لتبدأ تصفية حساباتها مع لبنان وسوريا ثم التصريح بتطور قوة الحزب، وضع الرأي العام في مناخات واقعية، لا التهويل عليه، لان ذلك جزء من مستلزمات المواجهة ما دامت اسرائيل ومعها الولايات المتحدة لا تخفيان رغبتهما في تدمير كل مواقع القوة والممانعة العربية، وتريدان منطقة عربية صاغرة تتخلى طوعا او قسرا عن كل الحقوق العربية وفي مقدمها الحق الفلسطيني، او في الحالات الادنى رفض الحديث عن ان ثمة نقاط قوة مهما كان حجمها لدى الجانب العربي.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic