اعتذار

جوزف سماحة

جريدة السفير (لبنان)

السبت، 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2002

 

     “إن بلداً فقيراً يعيش شعبه على دخل معدله دولار واحد للفرد يومياً، ويفقد كل صباح 500 من مواطنيه بفعل وباء السيدا، ويملك اقتصاداً رثاً، وينوء تحت وطأة مليون يتيم، إن بلداً من هذا النوع لا يمكنه أن يكون خصماً لمقاتل يحترم نفسه”. الكلام لافتتاحية جريدة “نايشن” الكينية. لا يملك المرء إلا التوقيع عليه. 

تعبّر الصحيفة عن الصدمة والخوف والغضب وتتساءل “لماذا كينيا؟”. تجيب “لأننا بلد أشد فقراً من أن نحمي أنفسنا”. ولا يعود ضرورياً، هنا، سوى التذكير بمئات ملايين الدولارات التي يملكها بن لادن حتى نصبح أمام حرب الغني على الفقراء... وفي الخلفية، طبعاً، ماضي الرق الذي لعب فيه الحضارمة من أجداد بن لادن دوراً معروفاً. 

إن رائحة عنصرية عربية تفوح من عملية مومباسا. ليس لأن هناك من استهدف سياحاً إسرائيليين فقتل عشرة كينيين. وليس لأن تفجير السفارتين قبل سنوات أودى بمئات الأفارقة وببضعة أميركيين، كلا، بل لأن “الوعي” العربي يميّز في تعداد الضحايا. “السود”، ببساطة، غير مرئيين عندما تعاقبهم القنابل بلا ذنب. هذه عينة من عناوين الصحافة العربية على امتداد الوطن الكبير: “هجومان في كينيا ضد المصالح الإسرائيلية”، “مقتل وجرح 48 إسرائيلياً في بيسان وكينيا”، “3 عمليات ضد أهداف إسرائيلية”، “سيارة ملغومة تدمر فندقاً يملكه إسرائيليون في ممباسا”، “القاعدة تضرب أهدافاً إسرائيلية”. 

لا يغيب الكينيون فقط عن هذه العناوين، حتى أمواتاً، يغيب البلد كله الذي تشكل السياحة جزءاً رئيسياً من دخله القليل أصلاً. ويمكن الرهان أن أحداً بيننا لم يفكر، لحظة، في مؤاساة أهل الضحايا الأفارقة. نحن منهمكون في السجال حول العمليات ضد المدنيين الإسرائيليين وتبيان جوازها أو عدم جوازها (النقاش أقل حول جدواها) وليس في الأمر متسع لموقف من مدنيين آخرين يخدمون في فندق ما في بلد ناء. 

ليس هذا النوع من التجاهل سمة عربية فقط. فالرئيس الكيني نفسه أرسل طبيبه الخاص للاهتمام بالجرحى الإسرائيليين (قبل نقلهم إلى حيث يحظون بعناية لا ينالها مضيفوهم) تاركاً مواطنيه لمصيرهم. والناطق باسم أرييل شارون أعلن إلغاء الاحتفال بعد نتائج الانتخابات الفرعية حزناً على “الثلاثة من ليكود” الذين سقطوا في بيسان. ونشرة “بي. بي. سي.” على الشبكة نشرت صوراً لضحيتين إسرائيليتين دون الضحايا الكينيين الذين ستبقى صور جثثهم المتفحمة، أو يجب أن تبقى، عالقة في الذاكرة. ولم تشذ “ليبراسيون” الفرنسية عن هذا السياق فهي ركزت على “ضرب السياح الإسرائيليين” ونشرت تطمينات من مكاتب السفر والسياحة موجهة إلى “الباحثين عن الشمس هرباً من صقيع الشتاء”، وميّزت بين بالي حيث “تمّ استهداف أكبر عدد ممكن من الغربيين” ومومباسا حيث “تم استهداف بلد واحد”... إسرائيل! 

إن سلوكنا في هذا الموضوع يقول الكثير من ثقافتنا. فهناك، بيننا، من لا يهتم إذا تحول صراعنا ضد إسرائيل قتلاً لأفارقة مات منهم، عام 2002، حوالى مليونين ونصف بالسيدا. وهناك، بيننا، من يتجه نحو القارة السمراء يأساً منه من العرب. هذه حالة العقيد معمر القذافي مثلاً. وهو، في تبريره لهذه الانعطافة، يستخدم خطاباً أبوياً ومتعالياً لا علاقة له بما نسجته الحركة القومية العربية، ذات مرة، مع جيراننا في الجنوب. 

من المبكر الحسم في أمر المسؤولية المباشرة عما جرى في مومباسا وأودى بحياة عشرة كينيين. إلا أن العملية، كما سابقة السفارتين، لا تشذ عن نمط تفكير يعمّمه بن لادن: صراع الفسطاطين يدوس المغلوب على أمرهم. هذا الوعي الذي تتحكم به بارانويا خطيرة يعجز عن تقديم اعتذار للأبرياء. لا علاقة لخدم فندق “بارادايز” (الجنة) بكل ما يصيبنا ولا بالفراديس التي نفقدها واحداً بعد الآخر. إننا مدينون لهم باعتذار (لطريقة تعاملنا معهم) من أجل أن نكون “مقاتلين نحترم أنفسنا”.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic