سماحة العلامة السيد محمد حسين فضل الله
حوار حول الفتوى والمرجعية وإيران والمسألة العراقية

نصير الأسعد

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 2 كانون الأول / ديسمبر 2002

 
Sayyed Mohammad Hussein Fadlallah

     الحوار مع المرجع الاسلامي الشيعي السيد محمد حسين فضل الله، من النوع “المتدفق”، حيث يأنس السيد الى الحوار في الفقه والفتوى والمرجعية أكثر من الحوار في قضايا أو عناوين أخرى، تماما لأن الفتوى تغني كل القضايا عندما تصدر عن فقيه متبحر في الثقافة الدينية، وممسك بناصية الخبرة والمعرفة، ومتمرس في الفكر الذي يخدم الاسلام. 

والسيد فضل الله الذي يدخل في صميم السياسة من موقع مرجعي، حدد دوره الذي لا يخضع الى منازعات كانت ستفرض نفسها لو وجه اهتمامه الى “السياسة الصرفة”. وهو في تحديده لموقعه تجاوزت مرجعيته حدود “النطاق اللبناني”، فغدا “مسؤولا” عن الاجابة على هموم المسلمين في غير مكان من هذا العالم العربي والاسلامي. وهو لا يجد غضاضة في تأكيد انه واحد من نحو عشر مرجعيات.. يتوزع التسعة الآخرون غيره بين النجف وقم، اضافة الى مرجعية السيد علي الخامنئي. ولا يتردد في القول ان فتاوى السيد الخامنئي واحكامه تلزم “فقط” من يلتزمون بمرجعيته.. ولا يتردد في الاشارة الى ان ولاية الفقيه هي حتى بالنسبة الى من يقرّ بها ليست “ولاية عامة”. 

ويكرر من موقعه المرجعي الدعوة الى تحويل المرجعية الى “مؤسسة”، ويناقش في اشكالات المرجعية عند السنة، واثر علاقة المرجعية بـ”الحاكم” على الفتاوى، ويعبر عن منطلقات “اسلامية” عامة من موقع مرجعيته الشيعية. ولأنه كذلك، يقدم السيد فضل الله فتاويه المؤسسة على فقه وثقافة واسعين تحت عنوان “العدل” كما جاء في القرآن الكريم، العدل في مواجهة “الظلم” مجسدا اليوم بالولايات المتحدة وسياساتها.. فيغدو حديث العدل والظلم معه حديثا سياسيا بامتياز. 

فإلى وقائع هذا الحوار مع المرجع السيد فضل الله، الذي يضع الناس وقضاياهم نصب عينيه.
 

* أين توظف الفتوى السياسية والدينية في مرحلة سياسية كالتي نعيش فيما لو اخذنا المنطقة العربية من فلسطين للعراق، وصولا لأفغانستان والحملة الاميركية لتشويه صورة الاسلام والمسلمين والفقهاء. ما الخط الذي يجب ان يتبناه الفقهاء من خلال الفتوى السياسية؟

بداية لا بد من الاطلالة كمقدمة على مسألة الدين والسياسة. فحين ندرس المسألة الدينية في عمقها الانساني، فإننا نلتقي بالقاعدة التي يرتكز الدين عليها في تاريخه كله، من خلال القرآن. وهي ان عملية الدين في الانسان هي موقع عدل، فالدين نزل من خلال اقامة العدل بين الناس، وهذا ما نستفيده من الآية الكريمة في سورة الحديد " لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط" ، فكل هذه التركة البيّنات التي تؤكد علاقة الموقع بالله والكتاب، الذي يمثل خط الرسالة والميزان الذي يتحرك في نطاق التطبيق، " ليقوم الناس بالقسط" . فالقرآن اعطى الخطوط العامة التي تبعد مسألة العدل عن كل النوازع الذاتية.

ومن خلال ذلك، وفي ظل هذه الدائرة الواسعة، فإن العدل لا يقتصر على جانب دون آخر. ان الدين، وانطلاقا من ذلك يدخل في حياة الناس كقاعدة فكرية انسانية تتمظهر بخطوط قانونية تحاول ان توصل هذه القاعدة وتقننها.

ومن هنا ندخل لموضوع الفتوى التي تمثل مسألة ثقافية، اي ان تدرس النظرية في اطارها القانوني وفي اطارها الفقهي وتدرس حركة النظرية في الواقع، حيث تحرك على هذا الاساس مسألة العدل والظلم. ما هو العدل هنا وما هو الظلم، فإذا تجمعت لديك كل مفردات النظرية في خط الواقع، وخط التطبيق عندها يمكن لك ان تصدر الفتوى التي تتحرك في حياة الناس، وعلاقة الحاكم مع المحكوم، والقانون مع الناس... وكذلك عن عدل الانسان مع ربه، وظلم الانسان لربه الذي له الحق علينا في الطاعة لا المعصية.
 

فتوى مقاطعة البضائع الأميركية

إن على الانسان ان يعيش هذه المسؤولية بما يملك من ثقافة واسعة منفتحة على مقاصد التشريع وعلى الخط الفكري الانساني في الاسلام، فإذا حدثت مسألة تتعلق بالواقع السياسي للناس فالمفروض بالفقيه الذي يعيش المسؤولية عن حياة الناس ان يدرس الواقع ويحدد كل المعطيات التي يمكن له ان يصدر فيها الفتوى والامثلة على ذلك كثيرة، منها فتوى مقاطعة البضائع الاميركية بالمقدار الممكن وبما لا يؤدي الى نتائج سلبية على مستوى اقتصاد الامة.

إن منطلق هذه الفتوى هو دراسة الخطة الاميركية في استلاب عالم المستضعفين، لا سيما العالم الاسلامي، اقتصادا وسياسة، وامنا، ومحاولة تحويل هذا العالم الى اسواق استهلاكية لمنتجاتهم على كافة المستويات. ومن خلال ذلك تتحرك المسألة السياسية والامنية كما نعرف في هذا الاطار ان الفكرة التي كنت ادرسها انه لا بد من ايجاد قاعدة دينية اسلامية في وجدان الانسان المسلم في ان يعاقب من يعاقبه بطريقة سلمية، من دون اي حالة عنف، وذلك بالدعوة الى تحريم البضائع الاميركية والفتوى تأتي هنا واستبدالها ببضائع اوروبية، ان لم تكن عربية، لأن اوروبا اقل تأثيرا، في الجانب السلبي، من اميركا او البضائع الآسيوية. وقلنا ان الاساس هو البضائع الوطنية او القومية.

الهدف هو ايجاد هذه القاعدة، قاعدة الرفض من خلال الفتوى، بقطع النظر عن النتائج المترتبة... لأن الاساس في الفتوى هو رفض المنكر.
 

الفتوى حول العراق

إن الفتوى هنا وبحسب المصطلح سياسية، ولكنها انطلقت من قاعدة مواجهة الظلم الاميركي كوسيلة اولى لتحريك الوجدان الاسلامي العام للوصول الى النتائج الحاسمة... والمثل الثاني هو الفتوى في حرمة مساعدة اميركا في ضرب الشعب العراقي وتمكينها من السيطرة على قدراته الاقتصادية والسياسية والامنية... حيث درست المسألة في خط الاستراتيجية، وخط الواقع... اما دراسة خط الاستراتيجية فهي، انني ومن خلال دراستي ومتابعتي للسياسة الاميركية في خطتها للسيطرة على العالم وخصوصا على العالم الثالث وتحديدا الاسلامي والعربي، لاحظت ان مسألة اعلان الحرب على النظام العراقي لا تعود الى قضية اسلحة الدمار الشامل، وليست انقاذ الشعب العراقي من نظامه لسبب بسيط جدا وهو ان اميركا هي التي وضعت هذا النظام وفرضته على الشعب العراقي.. وكانت الخطة الاميركية منذ البداية لضرب خط عبد الناصر في القومية العربية، واول من بدأ وضع العصي في الدواليب هم الشيوعيون عندما كان القوميون العرب يتحدثون عن الوحدة ولعلنا نعرف كيف سقطت الوحدة العربية بين مصر وسوريا في تلك الفترة من الخمسينات.. لقد كان المطلوب ان ينقل الواقع السياسي في العراق من المناخ الناصري، والقومي العربي الى المناخ الاميركي، وهو ما لاحظناه حين دفع العراق الى الحرب مع ايران لتخفيف اندفاعات الثورة الاسلامية في ايران، وليكون العقاب على احتضان ايران لمسألة فلسطين... وكيف دفع بعد ذلك الى احتلال الكويت، لأن متابعة الاحداث التي جرت في الكويت تفيد ان سفيرة اميركا، غلاسبي، آنذاك وضعت خطا احمر على السعودية، ولم تضعه على الكويت. ولهذا شعر النظام العراقي ان هناك ضوءا اصفر على الاقل للهجوم على الكويت، وكانت الخطة الاميركية الموضوعة في اول الثمانينات هي الوصول الى النتائج التي انتهت اليها “عاصفة الصحراء”. لهذا لاحظنا ان التقرير الذي قدمته غلاسبي امام الكونغرس لم يتم نشره او الاعلان عنه.

ولا ننسى ان المسؤولين الاميركيين حين انتهت الحرب قالوا: لن نسقط النظام.. وهم الذين اسقطوا الانتفاضة الشعبية العراقية، واعطوا جيش النظام العراقي كل الدعم لإسقاط تلك الانتفاضة...

... كل هذا الامر الخاص بالنظام العراقي كان من ضمن الحملة الاميركية ليتحول العراق من خطر على اسرائيل الى خطر على العالم العربي كله، ليربك الواقع والعالم العربي، والى خطر على المنطقة... وهو ما حصل، اذ ساهمت هاتان الحربان في افلاس الخليج الذي تحمل كل تكاليف الحرب العراقية الايرانية والحرب العراقية الكويتية، وأفسحتا المجال لأميركا لتحويل الخليج الى قاعدة اميركية عسكرية...

كنت افكر متابعا الاحداث منذ بدايتها، وهو ما جعلنا نطل على “مؤتمر مدريد” الذي حول القضية الفلسطينية، مع كل الهتافات العربية المشجعة، عن مسارها الطبيعي لكي لتنتهي في اوسلو، وعاشت ولا تزال تعيش في المتاهات. لقد كانت جزءا من الخطة لتحجيم القضية الفلسطينية... وقد كنت اتابع المسألة بدقة وافكر بأن مسألة اميركا ليست مسألة انقاذ الشعب العراقي الذي من الممكن ان رمز النظام فيه لم يعد مفيدا للسياسة الاميركية بعد ان استهلك بكل ما ارادته اميركا...

واما اسلحة الدمار الشامل فإن اسرائيل، وكما اعترفت، تملك كل اسلحة الدمار الشامل وبحدود 250 رأسا نوويا، وربما كانت اميركا تعرف كما يقرر بعض الخبراء ان العراق لم يستطع خلال 4 سنوات ان يصنع اسلحة الدمار الشامل... إن المطلوب هو اسقاط قوة العراق، ومنع العراق الذي هو الدولة العربية شبه الوحيدة التي تملك من الثروة والشعب الذي لا يزال يعيش الروح العربية والاسلامية، والتي ربما تكون حالة جنينية عند البعض وحالة فعلية عند البعض الآخر...

ان المطلوب ألا تكون هناك دولة عربية في قابلياتها في المستقبل توازي اسرائيل، بحيث تملك عناصر القوة. لهذا فإن المطلوب اميركيا واسرائيليا عصر العراق، وان يعصر العراق، نفطا واستثمارات وان تطل اميركا، من خلال سيطرتها على العراق، لتكمل محاصرة ايران من جهة، ولتمتد في الخليج لترتب اوضاعه بعد قضية أسامة بن لادن، والشعبية التي يملكها في كثير من دول الخليج، حتى تنسقها وترتبها وتضعها على طريقتها الخاصة...

ان الحرب الاميركية تمثل زلزالا سياسيا وامنيا واقتصاديا في المنطقة بحيث يؤثر على مجمل المنطقة، ويكون الرابح الاكبر اسرائيل... لتعود المنطقة منطقة ضعيفة امام قوة اسرائيل، فممنوع ان يكون هناك قوة عربية توازي اسرائيل ولا نقول لتتفوق عليها...
 

معاناة العراقيين

في ضوء هذه الحسابات لاحظت ان كل عمل من اية جهة معارضة في التعاون مع اميركا في هذه الخطة يمثل نوعا من تأكيد الظلم الاستكباري الاميركي على الامة... بما للكلمة من معنى في الوقت الذي كنت اشعر، واعيش ولا ازال واكثر من اي شخص في لبنان على الاقل، بأن للعراق عندي وضعا خاصا، لأني ولدت وعشت كل شبابي في العراق، ولا ازال اعيش مع كل هذا الجيل العراقي سواء في الداخل او الخارج. وبناء عليه فإني افهم ما معنى معاناة الشعب العراقي، وما معنى الملايين التي شردت والآلاف الذين يجوعون وافهم ان العراقيين وصلوا الى حالة من اليأس، بحيث انهم مستعدون للقبول بالشيطان وهو موجود عندهم في النظام الشيطان الاكبر بدل الشيطان الاصغر...

لقد كنت اشعر بكل ذلك لأني اعايش هذه الحالة يوميا، وكنت اجد العذر للذين اعترضوا على الفتوى التي اطلقتها، لا سيما ان النظام العراقي استغلها واراد تبنيها، علما انني اكدت في فتوى اخرى انه يجوز للاسلاميين التنسيق والتحالف مع العلمانيين لإسقاط النظام العراقي.
 

الفتاوى والمرجعية

عندنا نموذجان من الفتاوى الشرعية، الشيعية والسنية. فالازهر بيد الحاكم وهناك فتاوى تصدر قد لا يكون فيها فهم لواقع الصراع لا سيما ما يتصل بفلسطين وغيرها... 

هناك نقطة يجب بحثها، وهي انه ليس هناك قيادة موحدة في العالم الاسلامي تماما، تدرس الفكرة وتطلق الرأي للالتزام به، لا العالم السني ولا الشيعي... فالعالم الشيعي عاش ولا زال يعيش المرجعيات المتعددة، التي تختلف ذهنيات أصحابها.
 

* قد يكون هناك مرجعيات مؤسسة؟

ان المرجعية في الجانب الشيعي، كما السني، تنطلق من حالة ثقافية فقهية تعليلية، فمن هو الشخص الخبير بالمسألة الفقهية الاجتهادية في ما يعبر عنها باستنباط الاحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

قد نلاحظ في المرجعيات، مع كل التقدير في المسألة الثقافية على المستوى الفقهي التقليدي، انه ليس هناك خبرة في الواقع العالمي، وحين تصدر بعض الفتاوى فقد تصدر نتيجة ضغوط معينة من الحاكم او نحوه، علما أنه في الجانب الشيعي فهذه غير مربوطة بالحاكم، ولكن ربما تكون من جهة الضغوط الداخلة في التقية وغيرها.
 

* في إيران مربوطة بالحاكم؟

ليس كلها.
 

* ليس السيد خامنئي المرشد الأعلى لإيران؟

السيد خامنئي حفظه الله رجل معاصر، وهو لا يستطيع فرض رأيه على مراجع قم.
 

* حتى بصفته الوليّ الفقيه؟

حتى بصفته الولي الفقيه، لان بعض الفقهاء في قم لا يرون “ولاية الفقيه” العامة ففي الواقع الشيعي اساسا ليست هناك سيطرة للمركز الرسمي، حتى بهذا الحجم على كل الواقع الشيعي ولا سيما على الحوزة. هناك مؤيدون من المراجع لمقام السيد الخامنئي حفظه الله ولكن ليس كل المراجع كذلك، وفي الوقت نفسه هناك من لا يلتزم رأي “الولي الفقيه” حين لا يرى ولايته العامة، إن المرجعية الشيعية تملك حريتها، ولكن المشكلة أن هذه الحرية لا تعيش امتدادات واسعة نتيجة انها لا ترتكز على اساس شرطية الخبرة السياسية.
 

* هذا يعني انها ليست مؤسسة؟

لا، ليست مؤسسة، ولذلك فإني قبل سنين اصدرت “كتاب المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية”، حيث طرحت فكرة تحويل المرجعية الى مؤسسة.
 

* كم هناك من المرجعيات الرسمية الآن؟

اضافة للمرجعية التي نمثل مسؤوليتها امام الناس هناك مرجعية السيد خامنئي، وثلاث مرجعيات في النجف وخمس تقريبا في قم في ايران.

إن المشكلة في المرجعية الشيعية انه ليس هناك شرط ان يكون الانسان عارفا بزمانه حسب تعبيرات بعضهم ولدينا نص انه لا بد ان يكون المرجع عارفا بزمانه، حتى عندما يعطي الفتوى او الرأي فإنه ينطلق من الواقع الموجود، وخصوصا ان المرجعية الآن تختلف عن المرجعية في الماضي، فقد كان الواقع الشيعي سابقا يمثل حالة محصورة خاصة كما لو كان خارج نطاق العالم لولا بعض الثورات السياسية التي حصلت. ولكن الشيعة دخلوا العالم من الباب الواسع سلطة ومشاركة وسياسة وما الى ذلك، ثم انفتح الجمهور الشيعي على العالم كله شرقا وغربا، حيث يرجع الجميع للمرجع في كل القضايا الحياتية، لذلك اصبحت الحاجة الى مرجعية تملك الاجابة عن كل التطورات الموجودة عند الشباب.

وأما في الوسط السني، فلا تزال المراكز الفتوائية او المشيخة في الازهر تحت تأثير الحاكم، باعتبار انه من يملك تعيينها وإعطاءها الرواتب، ولهذا لم تستطع هذه المواقع ان تتحرر بشكل يفوق العادة من سيطرة الحاكم، ولكن هناك شخصيات تملك وعيا سياسيا وجرأة في هذا المقام.
 

* مثل من؟

أذكر من هؤلاء الشيخ يوسف القرضاوي الذي يملك بحجم معين، ومن خلال ظروفه، إعطاء بعض الفتاوى السياسية وخصوصا الانسجام مع القضية الفلسطينية، ويملك بعض نظرات الرؤية جيدا حول القضايا.
 

* ولكن لم تجر محاولات تنسيق بين اصحاب الفتوى عند السنة والشيعة، وكأن هناك انقطاع...؟

المشكلة أن قضية الوحدة الاسلامية وكما كنت اقول ممنوعة، كما القومية العربية. ايضا تعبير الوحدة الدينية التي يسمونها الحوار، الاسلامي المسيحي، لا يسمح لها بالانفتاح بشكل واسع لتنزل الى الارض.
 

السّنة والشيعة

ولذا فنحن لا نزال نعيش مسألة المسيحية والاسلام في لبنان، مع انه ليس هناك شيء في الصراع اللبناني يسمّى المسيحية والاسلام، ان هناك ما يسمى الادارات العامة، والوزراء والنواب، فمع هذا التوتر وللاسف التوتر الذي يعيشه العالم الاسلامي هناك عمل دقيق وضمن خطط خبيثة جدا تنطلق من المخابرات الدولية والاقليمية والمحلية لخلق حالة استعادة كل الأحقاد التاريخية بين السّنة والشيعة...

ففي الوسط الشيعي عملٌ لتكفير السّنة، وعند السّنة عمل دقيق لتكفير الشيعة. وفي كل فترة من الفترات، خصوصا في هذه المرحلة، نجد عملا دقيقا لاثارة المسألة المذهبية بشكل دقيق جدا يتناول مقدسات هؤلاء وأولئك، مع أننا نملك القرآن الكريم الذي يؤكد على عناوين لو تأملها المسلمين لتركوا كل ذلك: }واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول{. اننا نجد حالة السباب والشتائم، في الوقت الذي يؤكد القرآن }ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم{. }كذلك زينا لكل امة عملهم{ ان كل فرد يعتبر نفسه على الحق والآخرين على الباطل }ولا تقولوا لمن ألقى اليك السلام لست مؤمنا{.
 

* أليس هناك خطر على المرجعيات السنية من الاسلام السياسي السني؟

اخشى ان المرجعية السنية وعندما ارتبطت بالحاكم كظاهرة لا شمولية، فقدت المعنى المرجعي الذي يجعلها مرتبطة بالواقع الشعبي الاسلامي العام، لان الواقع الشعبي الاسلامي، في المجتمعين السني والشيعي على السواء يتعقد من أية مرجعية تتصل بالحاكم، وترتبط بالحاكم وتصدر فتاواها تحت ضغط الحاكم، ولا اقول لمصلحة الحاكم.

إن المرجعية في الاسلام كانت في مدى العصور التي يهفو المسلمون إليها ويقدسونها في المرجعية التي تملك حرية القرار... وانني اتحدث عن ظاهرة في المرجعية الشيعية، وهي ان هذه المرجعية في مدى التأريخ كانت تهرب من ضغط الحاكم ومحاولة اعطائها الاموال، وتتجنب هذه الحالة والامثلة كثيرة على ذلك... ففي اوائل القرن الماضي كان في الهند اوقاف لطُلاب فقراء النجف وكربلاء والكاظمية، يوزعها البريطانيون لانهم كانوا يسيطرون على الهند، فقد فقد من يأخذ من هذه الاوقاف ثقة الناس به وموقعه، علما ان الاوقاف شرعية، حتى ان بعض الفضلاء، وحين كان يوظف في مقام القاضي، كان موقعه يضعف لاخذه الاموال من الدولة.

لقد كانت قيمة علماء ومراجع الشيعة، وحتى الآن، انهم يملكون حريتهم لان مصاريفهم كلها هي من الحقوق الشرعية، حتى قال بعضهم لقد تحررنا من ضغط الحاكم ووقعنا تحت ضغط الناس، وهذا الامر ينطبق على كل الحوزات، فالحوزة العلمية في قم لا تتغذى من الدولة، بل من الحقوق الشرعية، وهو ما تمارسه معظم المرجعيات في ايران.

ولو تحدثنا عن تجربتنا في لبنان فإننا ومنذ انطلاقتنا وحتى الآن استطيع التأكيد وبصوت عال، انه ليس هناك اية دولة عربية او اسلامية بما في ذلك ايران لها علاقة بأي مشروع في لبنان حتى الآن نقوم به. لان هذه المشاريع تتغذى من الحقوق الشرعية التي يدفعها المؤمنون في لبنان وخارجه.
 

* إذا اصدرتم فتوى وغيركم اصدر فتوى كالسيد الخامنئي في الموضوع نفسه كالموضوع العراقي، فكيف يتم التعامل بذلك؟

في تصوري ان كل الذين يرتبطون بالمرجع يلتزمون فتواه، فبالنسبة الى قضية فتوى مقاطعة البضائع الاميركية فلا تزال تأتيني آلاف الاستفتاءات من سائر العالم العربي والاسلامي يتساءلون عن خصوصيات هذه البضاعة وتلك، وفي صورة الحاجة وغيرها حيث لاحظت التزاما في هذه القضية، كما ان الذين يلتزمون مرجعية السيد خامنئي يتقيدون بذلك، فهذه تتحرك حسب مسألة الارتباط بالمرجع.
 

* بالنسبة للموضوع العراقي باعتباره حساسا اكثر من غيره؟

هكذا بالنسبة الى الموضوع العراقي، فالضجة التي حصلت حول الفتوى التي اصدرتها، ومن قبل بعض فصائل المعارضة العراقية، كانت خلفياتها الخوف من تأثير هذه الفتوى لدى الجماهير العراقية الملتزمة بفتاواي داخليا وخارجيا.
 

* ولكن تعديلها كان لان الموقف الايراني نفسه اقل مما ذهبتم إليه؟

لقد سمعت من بعض الاصدقاء ان الفتوى كانت مفاجئة للجميع، حتى في المواقع الاسلامية، ولعل الاصداء التي وصلتني حول الفتوى، ان ما فهمه الناس من الموقف الايراني بالنسبة للمسألة العراقية في ذهاب وفد “المجلس الاعلى” الذي يدين بولاية الفقيه حسب خطابه الرسمي، اعتبر في العالم الرسمي هو الموقف الشيعي الذي قيل فيه خطأ او صوابا ان الشيعة باعوا العراق للاميركيين، ولا أدعي دقة هذا الكلام، ولهذا كانت الفتوى التي اطلقتها، وكانت جوابا لموقع اسلامي سني على الانترنت هو موقع “إسلام أون لاين” قد استطاعت أن ترفع شبهة هذه الفكرة.

انني لم أعدل بالفتوى أبدا لانها كانت تستهدف كل تعاون مع اميركا ولا أزال أؤكد هذه الفتوى، ولكن في الوقت نفسه كنت اقول للشعب العراقي ان عليه ان يعمل لاسقاط النظام.
 

* نشر نص أول ثم آخر ثان؟

النص الاول لم يتعرض لمسألة النظام بشكل واضح، ولكن قلت ان على كل بلد اسلامي ان يعالج مشاكله، وأما النص الثاني فقد كان يتحدث عن النظام، وعن ان الشعب العراقي لا بد له من ان يغيره ولم ابدل في الفتوى، ولكن هناك بعض الصحفيين الذين اعطوا عناوين غير واقعية، وقد اشار عليّ المسؤول الاعلامي بعدم ضرورة للتوضيح... لاني تحدثت مع اذاعة “اوروبا الحرة” في ذلك، وفي اكثر من موقع حول هذه المسألة، وبأن هذه الفتوى لا تنافي غيرها.
 

الصراع في إيران 

* بالنسبة للوضع الايراني، وما يحصل هناك، كيف ترون ايران من خلال ذلك؟

عندما ندرس هذه الصراعات في الخط السياسي، فإن هذا الانطباع والفكرة دليل على حيوية الحياة السياسية في ايران، فهناك تياران حقيقيان في ايران، ولكل واحد منهما ايديولوجية في المسألة السياسية ويحاول ان يخضع البلد لفكره بكل ما لديه من نفوذ في المؤسسات او في الواقع الشعبي، إن هناك حيوية سياسية من حيث المبدأ، ولكن المسألة تبقى في نطاق ادوات العمل السياسي. فربما ينقد هذا الاسلوب، وهذه المفردات هنا وهناك بشكل طبيعي جدا، فهناك فرق بين ان تقول إن هناك “فيتو” بالمعنى الشامل، وأن تقول إن هناك خطين سياسيين، يملك واحد موقعا ويحاول ان يعطل على الآخر حركته وبالعكس. وقد يتحدث البعض عن ان الحركية السياسية في الشرق تختلف عن الحركية السياسية في الغرب، لأن الشرق لم يدخل عصر المؤسسات بالمسألة المتعلقة بالانظمة، ولعل إيران تمثل على الاقل وبالشكل الذي يلامس العمق اكثر البلدان في المنطقة والتي يشعر الشعب فيها بحرية اختيار ممثليه. 
 

* هل انت خائف على إيران؟

لست خائفا على ايران من الخارج، وإنما اخاف من ان يسقط القائمون على النظام تحت تأثير بعض الاساليب الحادة، واننا نقدر لايران الآن ان النظام لم يتدخل بالعنف لقمع الحركات، إلا بما يعيد النظام الى الساحة، ولكن اذا افلت الامر من يد النظام، وبدأ استعمال العنف ضد القوى الشعبية، فهناك الخوف، لان اي نظام يستعمل العنف ضد الشعب لن يستطيع ان يرتكز على قاعدة ثابتة. 
 

* ولكن هناك قضية محاكمة أغاجاري؟

انني لم افهم المعطيات التي انطلقت منها في هذا المجال، حتى ان كلام سماحة آية الله خامنئي في اعادة النظر في هذا الحكم يختزن في داخله رفض الحكم او التحفظ على الحكم. 
 

* ولكن هناك صراعا حول هذا الموضوع؟

اعتقد انك، وكما في كل بلد، عندما تدفع بالصراع الى نهاياته مع وجود ضوابط لحركية هذا الصراع فإن التغيير قادم، ولكن علينا ان نعطي التجربة مجالها في تطوير الواقع. 

ولعل قيمة الثورة الاسلامية في ايران وقيمة نظرية الإمام الخميني (قده) هي اعطاء المجال للشعب والساحة والصراع، فقد كان الإمام الخميني يستطيع ان يحسم الصراع الذي عاش وبدأ في زمنه، ولكنه أراد للصراع ان يأخذ حريته، شرط الا يهدد النظام وألا يسيء الى الثوابت. 

إن اي حركة تصادر تيارا سوف تجمّد الواقع، ولكن اي حركة تصارع تيارا بوسائل معقولة وضوابط متوازنة سوف تصنع التطور الذي يملك الامتداد. 

اننا قد نسمع من خلال التيارين الرئيسيين في ايران لغة حادة، ولكننا نشهد ان الامر اذا وصل الى ما يقارب حافة الانهيار يلتقي الجميع، فالجميع مخلصون للنظام، ولكن كل واحد منهم يحاول بطريقته ومواقع القوة عنده ان يصنع النظام على شاكلته

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic