ينشغل العرب منذ سنوات بالصورة التي يجب أن يقدموها عن أنفسهم وعن الاسلام الى الغرب، وتُطرح الكثير من الاقتراحات لتحسين صورتنا كعرب ومسلمين، فمن اقتراح إقامة فضائية عربية ناطقة باللغة الانكليزية موجهة الى الجمهور الغربي، الى اقتراحات صحف ناطقة بلغات أجنبية، الى اعداد برامج تعرّف بالعرب والاسلام ضد الصورة النمطية السائدة في الغرب، وصولا الى حملات إعلانية ضد هذه الصورة السائدة. كل هذه الاقتراحات التي تحول بعضها الى مشاريع تطرح على مستوى عربي تسعى لتحسين صورة العرب والمسلمين في عيون الغربيين، واثبات أن العرب والمسلمين ليسوا ارهابيين ولا ينتجون ثقافة العنف، وهم شعوب مسالمة، لن يسمحوا لأقلية ضئيلة بان تسرق الاسلام والعروبة وتفرض الصورة التي تريدها على العرب والمسلمين وتشوه هذه الصورة.
لا شك بنبالة الفكرة ومشروعيتها، فطالما هناك صورة مشوهة يجب العمل على تعديل هذا التشويه، ولا شك بأن صورة العربي والمسلم في الغرب لحقها الكثير من التشويه. ولا نريد ان نناقش صلاحية هذه الأفكار في التطبيق بالمعنى التقني، وهل تصلح فضائية عربية ناطقة بالانكليزية لتغيير هذه الصورة، وهل ستجد مشاهدين غربيين فعلا، وهل تجد المطبوعات العربية باللغات الأجنبية قراء بين اصحاب هذه اللغات... الخ؟
بالطبع كل هذه أسئلة مشروعة وتحتاج الى الكثير من النقاش حول الجدوى من مثل هذه الحلول والاقتراحات. لكن المشكلة الأهم التي تحتاج الى إجابة تقع في مكان آخر، وهي صورتنا عن أنفسنا، وهل هذه الصورة نموذجية وقابلة للتصدير على أساس أنها النموذج الجذاب للعربي والمسلم؟ وإذا كانت الصورة التي رسمها الغرب عبر الأكاديميات أو وسائل الإعلام الغربية مشوهة ومضللة، فهل صورة العربي والمسلم عن نفسه صورة مثالية وصالحة للتعميم كمثال مختلف وجذاب، بعيدا عن الأقلية التي تصادر صورته اليوم؟
لا أعتقد أن أحدا يستطيع أن يجيب عن هذه الاسئلة بالإيجاب، فصورتنا عن أنفسنا فيها الكثير والكثير جدا من الثقوب التي تجعلها صورة غير صالحة للتعميم والترويج. ليس ذلك بفعل الآخرين في الواقع العربي في الصورة السائدة، بل بفعل المعطيات التي يفرزها الواقع العربي اليوم، فهناك مشكلة حقيقية في الأصل بعيدا عن الصورة المشوهة.
وإذا نظرنا الى الواقع العربي على أي مستوى، لا نجد الصورة التي يمكن ان نرضى عنها، سواء كان ذلك على مستوى العلاقات العربية العربية والتعاون العربي المشترك والوزن السياسي والاقتصادي للعرب، أو كان ذلك على مستوى كل نظام عربي على انفراد ومعطياته التمثيلية والمؤسسية والحقوقية، وهل نتحدث عن مستوى الحريات الرفيعة التي يعيشها المواطن العربي اليوم؟ أم نسوّق الديموقراطية والمشروعية السياسية لأنظمة الحكم العربية، التي تمثلها الأنظمة العربية وديموقراطيتها المبالغ بها، أو تلك التجارب التي رشح فيها رئيس الدولة منافسا له لم يجد من ينتخبه، حتى ان هذا المنافس انتخب الرئيس الذي رشحه، على أساس ان هذه الكوميديا السوداء درس في تعلم الديموقراطية؟!
وليس الوضع أحسن حالا في الانتخابات الأقل أهمية، المؤسسات التمثيلية (برلمانات، مجالس نواب، مجالس شعب). والوضع أكثر سوءا على المستويات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية. أين نستطيع ان نرى الانجازات الاقتصادية الكبيرة التي حصّلتها هذه الدول، وجعلت الشعوب أكثر رخاء ولها وزنها الاقتصادي في العالم، والأرقام تقول ان انتاج العرب أقل بكثير من نسبتهم الى عدد سكان الأرض. وأية بنية اجتماعية مشوهة نعيشها اليوم، ومستوى التحسين الاجتماعي النموذجي الذي وصلنا إليه، قام على عمليات سحق اجتماعية مرعبة أصابت بنية المجتمعات العربية وقلبتها رأسها على عقب وحولتها الى شعوب من الجياع. وهل نحتاج الى الحديث عن التعليم والأمية وعن الفساد وعن سوء الإدارة... وعن... وعن. وكل ذلك نسوقه على أساس أنه منجزات لهذا النظام أو ذلك، وكل الخراب الذي لحق بالمنطقة مجتمعة ودولا منفردة نسوقه على أنه انجازات عظيمة.
هل نستطيع فعلا تسويق الصورة الحقيقية للعالم العربي اليوم بوصفها نموذجا يمكن ان يكون صالحا لنبني عليه دعاية جذابة تبدد الصورة السائدة عنا اليوم؟ وهل نحن اليوم مقتنعون بهذه الصورة قبل ان نقنع بها الآخرين؟
إن صورة العربي اليوم عن نفسه من القتامة، بحيث تجعله يخجل من أن ينظر لنفسه في المرآة، وهذه الأوطان التي تعاني من أطنان هائلة من المشكلات التي باتت تبدو عصية على الحل، هي أوطان غير مقنعة لأصحابها، على فرض ان الشعوب صاحبة هذه الأوطان، فكيف نقنع بها الآخرين؟!
ليست المشكلة في صورة تحتاج الى رتوش هنا وهناك، إنما المشكلة في الواقع العربي الذي نعيشه، والذي لا يمكن الدفاع عنه ولا يمكن تسويقه. لم تعد آليات قلب الحقائق تجدي نفعا في عالم بات أكثر معرفة بالحقائق الداخلية للدول برغم كل التعتيم. وقبل أن نقنع الآخرين بصورتنا علينا ان نقتنع نحن بواقعنا ونرضى عن هذا الواقع الذي لا يُرضي اليوم لا عدوا ولا حبيبا.
* كاتب فلسطيني
§
وصـلات:
