للعالم قمر وللشيعة أكثر من قمر

راني بيطار

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 11 كانون الأول / ديسمبر 2002

 

     زهور القبر جهزت بلونها البنفسجي. الأولاد رتبوا ملابسهم الجديدة والأحذية قرب أسرتهم قبل المغيب. الأخ حمل بطريقه من المدينة خبزاً وكعكاً وحلوى لكل أشقائه وشقيقاته. الإفطار الأخير كما ظنوا جمعهم على الارض، أي طاولة مهما كبرت ما كانت لتتسع للعائلة بأولادها وأحفادها الكثر. الأحفاد بكروا في إشعال مدافعهم ومفرقعاتهم.. ولكن القمر لم يطلّ. لا قمر مشغرة ولا بدر وادي التيم.

الصغار.. عيونهم معلقة في السماء علهم يرون هلالا، وآذانهم ترتقب أذاناً يبشر عيداً. أحدهم يتذكر جيداً أن إماما قبل أيام “قال إنو العيد بكرا”. الجدة لا تجيب. آخر يصدح من الداخل: “المفتي يقول أن العيد غداً”. الجدة لا تنفي ولكنها تشير الى أنه مفتي السنة.. الحادية عشرة ليلا، صوت في فضاء البلدة ينبئ بأن بعد الغد هو أول أيام عيد الفطر بحسب أحد المراجع الدينية، يعيدها مراراً وتكرارا، ولكن أياً من الاطفال لم يسمع نداءه فقد كانوا نياماً ينتظرون العيد. 

في العيد، عادة، الاولاد والمقابر هم أول من يستيقظ. الأولاد ليفرحوا وليرتدوا جديدهم آملين ملأ جيوبهم. والمقابر لتستقبل زوارها المتشحين بالسواد. باعة الزهور في محالهم وعلى الأرصفة كانوا قد اعتقدوا أيضاً أنها ليلة عيد، ظلوا حتى وقت متأخر يبيعون أكاليل وباقات وريحان. إحدى النسوة وضعت زهورها مساء وقرأت الفاتحة: “في الصباح الباكر لا أستطيع المجيء.. وإن لم يكن غداً عيداً سأعود لأرشها بالماء”. 

في الصباح، لبس أحد الاحفاد ثيابه الجديدة ونزل إلى الشارع باكراً ثم ما لبث أن عاد وغير ملابسه بأخرى قديمة. عرف أن اليوم ليس عيداً. أو لعله العيد. الجارة لم تعرف، تناولت فطورها وألبست أولادها الجديد الجميل. كثيرات زرن قبور اقربائهم، كثيرون سألوا “شو عيد ولا مش عيد؟”، وآخرون قصدوا مدينة قريبة سفراً كي يجوز افطارهم. 

عتبي عليك يا قمر، “ولو”، كم وجها لديك؟ لو كنت مكان “نيل ارمسترونغ” للقنتك درساً حرصت بعده ألا تتأخر، ألا تكون أكثر من قمر وألا تضيء لفئة قبل أخرى.. لكنت همست في أذنك فوراً بعدما داست قدمي عليك: الله يخليك ما بدنا مشاكل على الارض، ما تكون مع حدا ضد حدا . وربما كان ذاك الختيار على حق بقوله “الهيئة في أكثر من قمر”. لكل قمره، ولكل قواعده، ولكل تبريراته الشرعية، أما العلم والتكنولوجيا فلا دور لهما في أمر خطير كهذا. 

سينتظر الأولاد يوماً آخر، والمقبرة ستستقبل زوارها المتبقين بزهور ذابلة. والأم ستحتار في ما ستعده طبقا لافطار هو ما بعد الاخير، والأرض ستفترش مائدة للعائلة الكبيرة مرة أخرى وربما ليست الأخيرة. فهناك من يقول إن العيد بعد غد. 

قمر يولد الخميس، وقمر يولد الجمعة. قمري أنا متى يولد؟ ويا أم العيال أجيبي إن استطعت على أسئلة صغارك.. على أسئلتهم الصعبة والبريئة؟ أسئلة ربما انا وانت لا نعرف إجابات حقيقية لها، مثل بالتلفزيون عيّدوا، ليه نحنا لأ؟”.. “يا الله، كل يوم بتقولولنا العيد بكرا”. 

أسئلة اليوم عن العيد لكن أسئلة الغد ستكون لا محالة عن الصواب والخطأ، عن الحق والباطل، عن “نحن” وعن “هم”.. ويبحث كل طفل عن قمره الضائع . 

الطفل الذي ولد مرة ومسلماً، والقمر الذي يولد أكثر من مرة ومسلماً. 

اليوم مساء، جارة من على شرفتها في الطابق الخامس تصيح: “شوفوا القمر إبن يومين”، ترد أخرى من على شرفة الرابع: “شفتي، الهيئة صيّمونا هالنهار هيك.. وراحت بهجة العيد”. إحداهن وصفت للأخرى مشاهداتها ظهرا في السوق: “ناس حاملة البقدونس والخس لفتوش الإفطار، وناس حاملين صواني الحلو للمعايدة.. المقاهي رفعت أوراق الجرائد عن واجهاتها الزجاجية، وفي سوق اللحم كانت الناس عم تشوي وتأكل..”. 

للسنّة قمر وللشيعة أكثر من قمر.. “غسّل وجك يا قمر”.

هلال شوال

القمر كما بدا مساء الجمعة، 6 كانون الأول / ديسمبر 2002 !

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic