إشكال لغوي

السيد هاني فحص

جريدة السفير (لبنان)

السبت، 14 كانون الأول / ديسمبر 2002

 

     في مقالة لي تحت عنوان (قبسات نبوية) تحدثت عن تفاصيل في شخصية السيد موسى الصدر، عن كثب، ومن بينها مفارقات جعلتها شخصية السيد بحيويتها، علامات فارقة في صورته. حضرت في أوائل السبعينيات، محاضرة للسيد تحدث فيها عن الإيمان ومما قاله “إن الإنسان غير المؤمن بصره لا يسمع وسمعه لا يبصر” وجلس الى جانبي وسألني كيف؟ فذكرت له ما قاله مقلوبا.. فامتلأ بالضحك، مشكلتنا يا سيدنا أنك تقول خطأ فيفهم الناس صوابا وكثيرون يقولون صوابا فيفهم الناس خطأ.. كأن الناس يقرأون القائل في القول. هذا يحيلنا على جلال الدين الرومي في قصيدته المبنية على الحديث القدسي، الذي عاتب فيه الله النبي موسى على حواره مع الراعي، ما أدى من خلال تشديد موسى على الشكل في الخطاب مع الله، الى ارباك الراعي وشعوره بالندم.. فخاطب الله موسى مشددا على انه ينظر الى الداخل والحال لا الخارج والقال.. وأنه بعثه لوصل الناس به لا لفصلهم، ما يعني ضرورة تجاوز الشكل الى المضمون، باعتبار الكلام وسيلة لا غاية. والله يعلم ما في النفس. وفي شريعته يسقط التكليف عن المجنون، ولا يسقط عن الأخرس. 

وقبل أيام كنت أحدث صديقا عن أمسيات القرآن والإنشاد، التي نظمها نداء أبو مراد في الجامعة اليسوعية، وكيف انها وحّدتنا في حضرة الجميل والجمال وألقت علينا سلاما، جعل الفواصل شفيفة جدا بين أجيالنا وأجناسنا وأدياننا. وسميتها بليالي السُّماع، بضم السين، فتوقف محادثي وسألني: بالضم أم بالفتح؟ فقلت: مثلثة السين، فقبلها على مضض، فوعدته بمراجعة المسألة في مصادرها اللغوية.. ففتحت لسان العرب على مادة (سمع) فوجدت أنها موحدة الحركة اي (بالضم فقط) وهاتفت صديقي حرصاً على ثقته اللغوية بي، فانشرح لحرصي على الصواب، وأخبرته أني عندما راجعت المسألة في لسان العرب، تذكرت السيد الصدر وما كتبته عنه مكتشفا مفارقته اللغوية بين السمع والبصر، ولكني فوجئت بابن منظور ينقل عن الأزهري، ما يؤكد ان هذه اللغة تخترق قواعدها لتذهب باتجاه التكوين، باتجاه الطبيعة المتعددة المؤتلفة على نظام جميل، يصل في جماله الى حد الفوضى الشاملة شكلا ولكنها في الأعماق، في المضمون، في خلف الحرف والشكل، تنتظم على نصاب من الحرية يشكل شرطا لا ينفد للإبداع المفتوح، اي الذي يدعوك ويستفزك لاكتشاف الصواب في ما يخالف القواعد والقيود... 

قرأت في لسان العرب إنصافا للإمام الصدر، الذي أتى الى العربية من الفارسية، فكان مضطرا لأن يلامس الجذور في اللفظ والمعنى وعلاقة اللفظ بالمعنى، مما تبنى عليه القاعدة ولا يبنى عليها، اي شأن الكوفيين ومدرستهم التي قرأت اللغة لغة وإنسانا، فحاولت ان تستنبط قواعدها منها، لا شأن البصريين ومدرستهم التي أتت الى اللغة من المنطق الصوري فنقلت العلاقات بين المفردات الى مقام القضايا المنطقية، اي نزلت اللغة على القاعدة بدل ان تنزل القاعدة على اللغة، إن كانت القاعدة تنزل على اللغة باعتبار ان القاعدة تسكين للمتحرك اللغوي، الذي يتحرك في فضاء المعنى تبعا للمستجد. 

في لسان العرب: “وحكى الأزهري عن أبي زيد: ويقال لجميع خروق الانسان عينيه ومنخريه وأسته مسامع لا يُفْرد واحدها، قال الليث يقال سمعت أذني زيدا يفعل كذا وكذا اي أبصرته بعيني يفعل ذلك”. إذن هناك تبادل بين الحواس، والعربية موصولة بهذا التكوين، من هنا أباحت لنفسها ان تعبّر عنه كما هو، من دون خضوع لمقولات المنطق الصوري. وتذكرت “طاغور” ومذهبه الإبداعي الذي أقامه بلاغيا على نظرية تبادل الحواس فقال في ما قال: “الصمت المشمس”. إذن فالسيد موسى الصدر تحسن قراءته في تعبيراته المفاجئة على موجب لسان العرب، أي اللغة العربية. كما تحسن قراءة محطات اخرى في سعي هذه اللغة في النصوص التأسيسية، الى بعثرة نظام الأشياء وإعادة نظمها على موجبات الجمال والابداع والتوليد الدائم للمعنى من خلال تجديد العلاقة بين المفردة والمفردة، بين المحسوس والمتخيل. من الاضافة وإقامة المضاف أو المضاف إليه وحده مكان المتضايفين، الى معنى الاضافة والضيافة وهيمنة الضيف طوعا على مضيفه في حياة العربي، الى إقامة اسم المفعول مكان اسم الفاعل أو العكس... الى كل المجازات العقلية والمجازات المرسلة التي تتجاوز النزوع الى تحقيق جماليات في الشكل التعبيري، الى الكشف عن ان العلاقات اللغوية موصولة بحكمة الخالق وجماله الذي يزداد جمالاً كلما حاول الناظر إليه الوصول الى آخر المعنى في معناه، لينفتح له المعنى عن معنى وهكذا دواليك.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic