ماذا دار بين الموسوي ودوفال في السفارة الكندية؟

عماد مرمل

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 16 كانون الأول / ديسمبر 2002

 

     قبل فترة قصيرة، زار مسؤول العلاقات الدولية في حزب الله السيد نواف الموسوي السفير الكندي لدى لبنان ميشال دوفال في مقرّ السفارة الكندية. يومها لم يلمس الموسوي من السفير أي مؤشر يوحي بأن بلاده على وشك حظر نشاطات الحزب وإدراجه على لائحة الإرهاب. 

كان اللقاء مريحاً الى حد ما، وقد حرص دوفال على ابلاغ الموسوي بانه من طليعة الشخصيات الحزبية التي يلتقيها، بعد تسلمه مهامه، خلفاً للسفير الكندي السابق.. 

بعد البداية البروتوكولية، فتح الرجلان أبواب النقاش السياسي الذي سرعان ما تطرق الى العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة، حيث اعتبر دوفال ان سلوك طريق الحل السلمي هو الخيار الأفضل لتسوية الصراع مع اسرائيل، فرد الموسوي متسائلاً: “كيف يمكن اقناع حكومة يمينية كتلك الموجودة في الكيان الإسرائيلي بالتسوية؟”. واضاف شارحاً حيثيات لجوء الفلسطينيين الى خيار العمليات الاستشهادية: “ما دامت كل وسائل الدفاع المشروع عن النفس قد نزعت من الشعب الفلسطيني، وما دام المجتمع الدولي قد تخلّى عن مسؤولياته، والمسار التفاوضي لم يُعِد الحقوق المهدورة... ماذا بقي أمام الفلسطينيين غير سلاح العمليات الاستشهادية”. 

وبعدما استفاض كل طرف في شرح موقفه، انتقل النقاش الى مسائل أخرى، من دون ان يترك الخلاف حول العمليات الاستشهادية أي انطباع تشاؤمي بصدد مستقبل العلاقة بين كندا و”حزب الله”. 

ولم يكن هذا الاجتماع وحيداً، اذ سبقته اجتماعات مماثلة مع السفير الكندي السابق. وعندما انعقدت القمة الفرنكوفونية في لبنان، لم يفصل بين مقعد الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله ومقعد رئيس الوزراء الكندي جان كريتيان سوى أمتار قليلة. ثم أن كندا كانت تبدي حماساً، في وقت ما، لأداء دور إنمائي في الجنوب، حيث النفوذ الأساسي للحزب. باختصار فإن الحكومة الكندية كانت، وحتى الأمس القريب، تنظر الى حزب الله باعتباره جزءاً من التكوين السياسي والاجتماعي اللبناني وتتعاطى معه على هذا الأساس. 

بناء على هذه المعطيات، يرى الحزب ان الموقف الكندي المستجدّ ليس مبرراً، ولا ينسجم مع ذاته بالدرجة الاولى، ذلك ان مساندة الحزب للعمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة ليست جديدة، وانما هي قديمة وعلنية، والتذرّع بها الآن لحظره ووضعه على لائحة الإرهاب، يثير علامات استفهام، بل الريبة، حول التوقيت ودلالاته. 

وكانت قيادة “حزب الله” قد تلقّت قبل أيام قليلة من صدور القرار الكندي، معلومات عبر مصادر دبلوماسية، بأن هناك توجهاً أميركياً اسرائيلياً لبدء حملة ضاغطة، سياسياً ودبلوماسياً، في أكثر من اتجاه دولي لإحكام الحصار على الحزب، وهذه المرة من خلال التركيز على خطابات أمينه العام السيد حسن نصر الله ومحاولة تصوير مضمونها على النحو الذي يبرر الطروحات الأميركية الإسرائيلية. 

وقد شكّل خطاب نصر الله خلال الاحتفال الأخير بيوم القدس في النبطية مادة ملائمة لمزيد من التحريض على الحزب، بعدما جرى تحوير مضمون الخطاب بالقدر الذي يناسب عملية شد الخناق. 

وغداة احتفال النبطية، التقى أحد الاعلاميين الكنديين مسؤولاً في “حزب الله”، وأبلغه ان صحافياً أميركياً أورد في صحيفة “نيويورك تايمز” ان السيد نصر الله دعا خلال خطابه الفلسطينيين الى تنفيذ عمليات في خارج الأراضي المحتلة، فنفى المسؤول ذلك وزوّد الإعلامي الكندي بنص الخطاب الذي لا يتضمن أي إشارة من هذا النوع، وتتالت في الأيام اللاحقة الطلبات من سفارات أجنبية عاملة في لبنان للحصول على النص الأصلي للخطاب. فاستجابت قيادة الحزب، والتقى الموسوي عدداً من الدبلوماسيين مقدماً شروحات إضافية لفحواه. 

واللافت للانتباه في هذا السياق، ان السفير الكندي ميشال دوفال أصرّ بعد لقائه الأمين العام لوزارة الخارجية السفير محمد عيسى، الجمعة الماضي، على القول إن إعلان نصر الله عن دعمه ل”الاعتداءات الارهابية”، ليس فقط في اسرائيل، بل في دول أخرى، قد وضع حكومة بلاده أمام وضع صعب. 

يشعر “حزب الله” بأن القرار الكندي لا ينفصل عن السيناريو الأميركي الاسرائيلي الذي يحضر للمنطقة، وبالتالي فهو ليس قرارا داخلياً في أبعاده، وان تكن هناك اعتبارات كندية محلية، ربما ساهمت في الوصول اليه. 

وما عزز هذا الشعور كلام سبق للموسوي ان سمعه من مسؤول اوروبي مرموق، وفيه ان اسرائيل توصلت الى قناعة بأن أحد السبل الممكنة للقضاء على الانتفاضة الفلسطينية هي القضاء على النموذج اللبناني في المقاومة، من خلال توجيه ضربة قاصمة ل”حزب الله”. 

ويقول الموسوي إن أحداً لم يكن ينظر الى الدور الكندي على أنه مستقل عن السلوك الأميركي، مشيرا الى تشجيع الحكومة الكندية على مؤامرة توطين الفلسطينيين في البلاد العربية، والتي تشكّل أحد أخطر وجوه تصفية القضية الفلسطينية. 

وبهذا المعنى، يعتقد الموسوي ان الموقف الكندي الأخير من حزب الله لا يضيف جديداً، بقدر ما ينهي استثناء كان قائماً. 

وبناء على هذا الاعتقاد، يذهب البعض الى الاستنتاج أن القرار الكندي لا يعدّ بالضرورة خسارة ل”دبلوماسية” حزب الله، باعتبار ان الوضع السابق كان يُحسب في رصيد “الفائض” السياسي وليس ضمن “رأسمال” الحزب. 

الأمر الأهمّ الذي يتوقف عنده الحزب، ليس القرار بحد ذاته وتداعياته عليه حصراً، وانما ما يحمله من مؤشرات خطيرة، بالنسبة الى المنطقة عموماً. ويقول مسؤول العلاقات الدولية في الحزب في هذا الاطار، إن القرار الكندي لا ينفصل عن استحقاق ضرب العراق وخيار مجيء حكومة يمينية صافية في إسرائيل تتبنّى الاحتمالات القصوى في التعامل مع القضية الفلسطينية، بما فيها احتمال “الترانسفير”، أي تهجير الفلسطينيين، الأمر الذي من شأنه أن يقود الى مواجهة واسعة في الشرق الأوسط. 

ويكشف الموسوي عن حملات تعبئة تقوم بها الادارة الاميركية والحكومة الاسرائيلية للرأي العام في العديد من الدول الغربية لاستمالته الى نظرية “حرب الحضارات” وقسمة العالم لمعسكرين بما يسهل تحقيق أهدافهما. وينقل عن دبلوماسي أجنبي معلومات مفادها ان وزارة الخارجية الاسرائيلية تستضيف صحافيين مؤثرين في بلدانهم، لعدة أيام، وتقوم بإعادة صياغة رؤيتهم للأمور، وفقاً لمنظارها. وهي ترتّب لهم على سبيل المثال، لقاءات مع عائلات القتلى الذين سقطوا في العمليات الفلسطينية الاستشهادية، لممارسة نوع من التأثير المعنوي عليهم، ومن ثم عكسه عبرهم على الجمهور الغربي. 

وينقل الموسوي عن هذا الدبلوماسي استغرابه للامبالاة العربية في المقابل، وعدم مبادرة أي جهة رسمية الى تنظيم حملات مضادة تتولى تظهير صورة الحقوق العربية المشروعة. 

ويلفت الموسوي الانتباه الى دلالات مؤتمر إسرائيلي عُقد مؤخراً، وتكلّم فيه رئيس الموساد السابق افرايام هاليفي عن وجوب تغيير قواعد اللعبة بعد عملية بومباسا، التي استهدفت سياحاً إسرائيليين، قائلاً: “علينا ان نتصرّف وكأن الكارثة وقعت فعلاً، ويجب ان نتعامل مع الدول على هذا الأساس، لدفعها الى الانخراط أكثر فأكثر في التعاون معنا”، واضاف: “ان الصراع مع الفلسطينيين لا يحل عن طريق التسوية السياسية، وينبغي وضعه في إطار حرب الحضارات التي تقودها أميركا”. ويشدد الموسوي، هنا على وجوب الحيلولة دون تكريس هذا المفهوم للصراع، لأنه زائف ومفتعل، بنية إطالة أمر الهيمنة الاميركية على العالم. 

ويكشف الموسوي عن التحضير لخطوات متدرجة للرد على القرار الكندي الذي استهدف الحزب، مشيراً الى وجود اتصالات مع هيئات ناشطة في العالم العربي بهدف تنظيم تحركات احتجاجية داخل بلدانها، “وهناك اتجاه لمطالبة الجامعة العربية ورئيس الجمهورية إميل لحود (بصفته رئيساً للقمتين العربية والفرنكوفونية) بالتحرك وممارسة الضغوط الدولية لدفع كندا الى التراجع عن قرارها الظالم”. 

ويوضح الموسوي ان مشاورات تجري بين بعض القانونيين اللبنانيين والعرب لدرس امكانية مقاضاة الحكومة الكندية امام القضاء الكندي، متوقعاً أن ينسحب العداء العربي والاسلامي للولايات المتحدة أيضاً على كندا.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic