سلحفاة

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 18 كانون الأول / ديسمبر 2002

 

غداً اشتري سلحفاة. اذهب الى بائع الحيوانات الأليفة وانتقي سلحفاة برية صغيرة واغادر بها. 

لن يكون الاختيار صعباً. فالسلاحف تتشابه حد الادهاش. قوقعة بنية تقف على أربع قوائم ويطل منها رأس كروي حليق يبدو دوماً عجوزاً. من السهل اختيار سلحفاة من بين مجموعة سلاحف. هي كائن بدم بارد، بسيطة، خلقت من غير تعقيد. وشراء السلاحف يتم بسرعة، ليس كشراء الثياب. الثياب تتطلب المرور في مراحل عديدة. الاشكال والألوان والأسعار، ومن ثم التجربة. وأمام مرآة لامعة في العادة يكون الاختلاء بالجسد في الغرفة الضيقة أمر لا يطاق. الثياب الجديدة تعيد كشف عيوب تأقلمت مع الثياب الضيقة وتوارت تحتها الثياب الجديدة ترفض اخفاء العيوب الأبدية. تسخر مني وأنا انظر الى خيبتي في المرآة. وكي اتمم الطقوس افتح الستار الحاجب وأبحث عمن أتى معي ليساعدني في اختياري. سأراقب ملامحه وأتجاهل الموظف المتملق الذي يبدي استحساناً ويضمر شفقة، هو المتفاخر بأناقته وموهبته الطبيعية في التأقلم مع كل أشكال الثياب. 

سأشتري سلحفاة. أضعها في صندوق وأحملها الى غرفتي وانساها هناك يقال إن السلاحف تحب ورق الخس. لن تفتقد اصدقاءها وليس لها صوت يسمع وستحيا معي في غرفة واحدة ولن أشعر بوجودها. ولن تشعر بوجودي.. لن تعلم انني موجود أصلاً. هذا يريحني. كائنان في غرفة واحدة ولا أحد يعلم بوجود الاخر. وحيدان تحت سقف واحد ولعل عمره الذي يمضيه على طريقته. هي تأكل ورق الخس، وأنا أمدها بورق الخس. أنا أكبر واتغير. وهي تكبر ولا تتغير. تحافظ على شكلها وان كبر حجمها. لا تشعر السلاحف بالوقت لأنها لا تتغير. جربت استيعاب مغزى المقارنة بين الماضي والحاضر في الصور التي تتلاصق في وسط بيروت. صورة عتيقة للمكان في الحرب ثم جديدة للمكان نفسه الآن. ماذا يعني هذا تماماً؟ بنى اللبناني وسط بيروت والتقط الصور. ثم أمضى اللبناني خمسة عشر عاماً وهو يضع بصبر ثقوباً في الجدران ويهدم انصاف الأبنية ويبقي على أنصافها الثانية وينبش المكان حتى صار لوحة تشكيلية، وكان يلتقط، طوال ذاك الوقت، الصور. ثم عاد اللبناني ودمر لوحته التشكيلية واستعاد المكان قبل الحرب والتقط الصور. نستطيع، والحال هذه، ان نستنتج استنتاجاً واحداً منطقياً فحسب، اللبناني يحب التقاط الصور. فقد يكون مشيناً ان ترى أن اللبناني أمضى 27 عاماً يعمل ليعود الى ما كان عليه قبل 27 عاماً، ثم يتباهى بذلك عبر المقارنة بين وثائق حية مصورة. يا للوقت الضائع سدىً. لم يرجع نصب الشهداء الى ساحته بعد. ويقال إن الفنان الذي يرممه شاء أن يحفظ بعضاً من آثار الحرب في النصب. شظية في خاصرة شهيد ربما أو يد مبتورة لشهيد آخر. عبرة من الحرب السابقة. متى نفيد منها؟ نفيد منها في الحرب المقبلة. العيون تقارن بين متشابهين. والاختلافات القليلة بين حرب مضت وحرب نعيشها ستلفت انتباهنا الى الشظية في خاصرة الشهيد. أي عبرة حينها سنتعلم؟ ليس من عبر في الحرب. الحرب أغبى من أن تحوي درساً. هي عيب خلقي علينا اخفاؤه ما استطعنا الى ذلك سبيلاً. عيب لا يحق لنا أن نتباهى بأننا تغلبنا عليه بعدما قضينا سنوات في صنعه... أكاد أجزم ان السلحفاة لا تستطيع الالتفات الى الوراء.. لذا سأشتري سلحفاة. 

السلحفاة كانت بدم بارد بسيط. غداً عندما أشتريها سأسميها سلحفاة.. أو بالأحرى المرادف العامي للكلمة. لن تحتاج الى اسم علم يميزها حتى، لأنها ستنفرد بصفتها في العالم الجديد. وهي ليست كلباً يتعرف الى صاحبه بمجرد مناداته باسمه فيركض الى صديقه البشري ويقفزفي أحضانه.. أظن ان سلحفاتي وان تعرفت على اسمها فلن تتورط في رحلة للوصول اليّ. ولن تضع نفسها محل سخرية وهي تجرب ان تقفز الى حضن صاحبها، عدا عن التفكير في لعقه تحبباً. ستكتفي سلحفاتي بورق الخس. وستكون بطيئة بالطبع لأنها خلقت هكذا. سلحفاتي لم تتنافس مع الأرنب في ذاك السباق المزعوم ولا هي انتصرت عليه. السلاحف لا تأبه بالمنافسة بمر العصر فوق قوقعاتها ولا تشعر به. اغلقت مذ ولدت أبواب بيوتها عليها. تطل برؤوسها كي تتلذذ بطعم الخس وتعود الى الداخل. كتومة وخجولة. حين يقترب خطر من طمأنينتها تختبئ في بيوتها وتغمض عيناها كي لا تراه يحيق بها. ولا تأبه بوجودنا فقد اختارت ان تتجاهلنا وتتجاهل ذواتها وتتجاهل الوقت والعصر مذ أتت. السلاحف هي من سيسود حين نستنفد كل عبر الحروب السابقة.. 

غداً اشتري سلحفاة لاحسدها على عدم اضطرارها الى الخروج من بيتها. وأحسدها على فرحها بوحدتها.. وعلى لا مبالاتها. 

قراري سيكون سهلاِ وسريعاً. وسأختار سلحفاة صغيرة وأحملها الى البيت.. ولن تفتقد السلحفاة أحداً.. ولن تتذكر شيئاً من ماضيها.. السلاحف تعجز عن الالتفات الى الوراء.
 
 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic