جان ماري لوبان في لبنان بعد غد. هذا ليس خبراً، إنه إنذار.
لا جدال في حق الرجل أن يزور بيروت. ولكن لا جدال في حقنا بالدعوة إلى مقاطعته. يوحي، حتى قبل أن يصل، أنه سيقوم بجولة على مسؤولين وسياسيين. يكاد يحدد المواعيد مستفيداً من أن الفرنسيين ارتكبوا خطأً ثم ندموا عليه عندما أحلّوه ثانياً في الدورة الانتخابية الأولى للرئاسة. يحاول أن يدوّر الزوايا في كلامه كما يفعل في المقابلة التي ننشرها له اليوم. غير أن ذلك لا يلغي أنه ضيف غير مرغوب فيه بالمعنى السياسي للكلمة... ناهيك عن معناها الثقافي والأخلاقي.
لا يخفي الرجل أنه يقف على أقصى اليمين في الحياة العامة الفرنسية. ولا يتردد في إشهار استفادته القصوى من العداء للمهاجرين العرب ونسبة “مصائب” كثيرة إليهم من اضطراب حبل الأمن إلى عجز الضمان الاجتماعي إلى تهديد الهوية الوطنية. يفاخر بدوره في حرب الجزائر كما في موقفه الراهن من الجزائريين. يتعمّد الهفوات اللغوية التي تنضح بالعداء للسامية ويوجد مناخاً يسمح بهفوات دموية ضد العرب المقيمين في فرنسا.
صحيح أنه غازل لبنانيين مميزاً إياهم عن العرب. غير أن الذين غازلهم، على شاكلة من دعاه، هم من حثالة مواطنينا الذين وجدوا في حزبه، “الجبهة الوطنية”، صيغة أخرى لاستكمال الحرب الأهلية ضد “الآخر” أو “الغريب”.
سيكون أمراً مرعباً (ومخزياً) أن يستقبله مسؤول لبناني واحد. وسيكون مخجلاً أن يلتقيه سياسي بحجة أنه يعرف تنميق كلام عن “الهيمنة الأميركية” و”الحرب العدوانية على العراق” و”السيطرة الصهيونية على الإعلام”.
إن كل درجة حرارة في “الترحيب” به ستنعكس برودة في علاقتنا بالأكثرية الساحقة من الفرنسيين يمينيين كانوا أم يساريين. وكل من يعرف ألف باء ما يجري في فرنسا يعرف أن قضايانا العادلة، من مساعدة لبنان على النهوض، إلى حقوق الشعب الفلسطيني، إلى رفض الحرب على العراق...، باتت جزءاً من المزاج الغربي العام وباتت تندرج، في فرنسا كما في سائر بلدان أوروبا، في الثقافة الديموقراطية، والتقدمية، والإنسانية. لا حاجة بنا ل”صديق” مزيّف من هذا النوع إلا إذا كنا نكن احتقاراً لكل أصدقائنا الحقيقيين ولمن يمكنهم أن يكونوا كذلك.
إن لوبان “حيوان سياسي” بامتياز. وعلينا أن نفتش عمّا يريده من هذه الزيارة وعن كيفية استخدامه لها ضد خصومه. ولا يجب التسامح مع سعيه لأن يجعلنا وقوداً في حروبه بعد أن نجحنا في احتلال موقع في المعسكر الذي يشرّفنا الانتماء إليه.
الزيارة إنذار. لكنها قابلة لأن تكون فخاً. قد يتوفر، في لبنان، من يسقط في “السهولة”، من يؤخذ بسحر البيان، من يغلّب حسن الضيافة، من يعجز عن صدّ طلب الزيارة إلى قانا، من يعتبر أنه يستقبل سياسياً فرنسياً نافذاً، من يظن أنه وجد حليفاً في وجه جاك شيراك، الخ... نعم، إن هذا ممكن لذا التنبّه واجب.
إن الفرنسي القادم إلينا هو “الفرنسي البشع” والحامل لكل ما هو رجعي في التاريخ العظيم لهذا البلد: من مناهضة الجمهورية إلى مناهضة المقاومة إلى مناهضة الحركات المعادية للاستعمار، إلى مناهضة كل النموذج الذي تفتخر فرنسا بتقديمه إلى العالم.
وسنعرف، إذا ما التقاه أحد عندنا، من هو المستعد، بيننا، لأن يكون ملوثاً.
§
وصـلات:
