العطش يضرب الجنوبيين المحررين والقرى المجاورة
المياه مقطوعة عن الشبكات.. والآبار يعطلها غياب الكهرباء
تجارة الصهاريج رائجة والسعر رهن ببورصة المسافات


السفير  (الخميس، 16 آب 2001)

كامل جابر


يقرع العطش في خضم لهيب الصيف أبواب الجنوبيين المحررين، من مرتفعات شبعا حتى محيط مدينة بنت جبيل، في جميع القرى المحاذية للشريط الفاصل بين لبنان وفلسطين المتحلة، وفي الداخل القريب، فكوى في أشهر متعاقبة، لا سيما في فصل القحط، صبرهم وطحن فتات أبنائهم وسرق لقمهم من أفواههم، وها هو يقحف كل ما في جيوبهم، فتجدهم يهرولون بحثا عن الماء الذي يرطب شفاههم ويبلل أجسادهم بأثمان يقطعونها من مخزون الشتاء ومتطلبات المدارس التي باتت على الأبواب، وخزانات منازلهم وقراهم قرحها جفاف الماء المنساب في الأنهر القريبة والمشاريع المائية الدائرة في حلقات مفرغة، فتذهب هدرا أو نحو البحر، وهم هم، منذ التحرير، ما زالوا ينتظرون تحقيق الوعود التي باتوا يكفرون بصدقيتها أو دنو سريانها نحو التنفيذ.

لا يشغل بال الجنوبيين الحدوديين الذين يمموا انتماءهم شطر الوطن والدولة، لا خيار غيرهما، الا انقطاع المياه عن أنابيب شبكاتهم الداخلية والرئيسية، هذا الشريان الحيوي الذي “جعل منه الله كل شيء حي”، ومن يقصد القرى المتربصة للجانب المحتل من فلسطين، ير بإمعان كيف احتلت الجرارات والشاحنات المزودة بالصهاريج الطرقات الرئيسية والداخلية وباتت كملوك الأحياء والقرى، ولما لا، فهي مبعث الروح في المنازل المحرومة من المياه والمحتاجة اليه في الشرب والنظافة وري المزروعات، في مجتمع لا حياة له الا من خلال الزراعة وأي زراعة!

وقد نادى أبناء القرى التي تحررت من عام ونحو ثلاثة أشهر، الدولة بكل رؤسائها ووزرائها ونوابها منذ اللحظة الأولى للتحرير، أن تبادر ويبادروا الى معالجة قضية المياه التي كانت تعتمد على المصادر الاسرائيلية، ووضع حلول بديلة تكمن في بعض المشاريع القائمة المحتاجة الى تطوير أو ترميم أو حفر بعض الآبار الضرورية أو تجهيز المحتاج، فضلا عن مد شبكات رئيسية وداخلية تغني عن جوع القرى، كل القرى الى المياه.

وعود

ولم يتلق أبناء هذه القرى غير الوعود، ثم الوعود، حتى وصلت بهم الحال الى المتوقع غير المرغوب. وبدل أن يبحثوا عن مصادر متطورة لمعيشة أفضل، راحوا يشحذون الماء في بقعة تعوم على سطح من المياه، من نهر الليطاني ومشروعه المتربع على تل الطيبة الى الوزاني والحاصباني ونبع الجوز ومرج الخوخ ومئات الإبر والآبار التي نخرت أديم السهول والكروم، غير تلك التي حفرت بالعشرات على نفقة مجالس الدولة وشحت بسبب رداءة الحفر وزيف التخمين فكان نصيبها الطمر والهدر، إذ ليس من يحقق أو يعاقب.

يقول مختار الخيام، المدينة باتساعها وتعداد سكانها، علي مهنا: “كانت تأتينا المياه جرا من شبعا، وهي حق لنا اشتريناه وعندنا صك بذلك. إبان الاحتلال حولت المياه عنا، وتأتينا مياه غير كافية من مرج الخوخ، وطالبنا أكثر من مرة ببناء خزانات في البلدة تستطيع أن تسد حاجتها، لكن وبسبب التركيب على القسطل الرئيسي أضحت المياه لا تصل الى الخزان الموجود حاليا. يقال إن الأمر قد أصلح، لم يصلح شيء. قبل افتتاح مشروع مرج الخوخ، كانت المياه تصلنا افضل، بعد الافتتاح نقصت المياه بشكل ملحوظ وتحركت الجرارات وبات الاهالي ينفقون بالملايين يوميا من اجل شراء حاجتهم من الماء، يحكون عن وصلة في مرج الخوخ تحل المشكلة، لكن، لماذا لم تركب الوصلة حتى الأن؟.

يقول ابناء كفركلا جارة دير ميماس وعديسة ان في بلدتهم نحو خمسين إبرة (بئر) وارضها غنية بالمياه، لكن “لا نشرب والحال جامدة والحياة تكاد تكون معدومة”.

الآبار والكهرباء

حفر مجلس الجنوب بئرا في جهتها الجنوبية، لكن المياه لا تصل الى الخزانات بسبب الانقطاع المستمر للكهرباء، وهي تحتاج الى اكثر من عشر ساعات ضخ في اليوم “لكن من أين؟” وبعضهم مد لسبب ما انبوبا من المحطة يتخوف الاهالي من ان يكون لبيع المياه. لكن المياه باتت تصل الى معظم المنازل من خلال صهاريج يدفعون ثمنها.

يقول احد ابناء البلدة: “قلنا بعد التحرير إنشاء الله اتى الفرج، وكان ما قبله، للاسف، افضل بكثير والناس هنا بدأت تترحم على الايام الماضية”.

تكثر على الطريق بين عديسة وكفركلا حركة الجرارات، ومرد ذلك الى بئر كبيرة في وسط كفركلا تبيع المياه الى اصحاب الجرارات المصطفة بطوابير طويلة تنتظر ساعات احيانا، بمبلغ خمسة آلاف ليرة ل”السترن” الواحد (سعة 15 برميلا)، لكنه يصل الى المنزل بمبلغ عشرين ألف ليرة، ويبدأ بالتصاعد كلما بعدت المسافة.

في عديسة جارة الطيبة الحاضنة لمشروع المياه المطل عليها من العلو الغربي، ازمة خانقة في المياه، فهناك بيوت فقدت المياه منذ ايام وهي تنتظر دورها، وتغذي المنازل مداورة الصهاريج الآتية من كفركلا. وصلنا الى منزل علي اشمر حيث عم الفرح بعدما اتى دوره وحصل على نصيبه من نقلة مياه، وقال: “صرلي 15 يوما مقطوعة عني المياه، وعندي عائلة ولا يوجد عندنا نقطة مياه، والامر كذلك في كل بيوت البلدة، عندنا عين مياه مثل القطارة، من يقصدها قد يقف بالدور اكثر من ثلاث ساعات حتى يملأ غالونا صغيرا، هذا ليس منطقيا. كنا في الاول مرتاحين وعال، مياه، وكل شيء موجود، الآن نشعر بنقصان كل المقومات حتى العمل. هذه ليست بحياة ولا طريقة للعيش. كنا نشرب من مشروع الليطاني، الآن لا مشروع ولا غير مشروع”.

ويقول علي يوسف فقيه من رب الثلاثين، وهو صاحب احد الجرارات الناقلة للمياه: “غالبية المنطقة هي بحاجة الى المياه على الرغم من وجود نهر الليطاني “حاملنا والعطش قاتلنا” هناك أناس ليس معها ما تدفعه ثمنا لنقلة المياه، خصوصا في الوقت الذي نحن فيه. نطلب من السلطات التي تحكمنا نحن في هذه المنطقة المحررة التي تعاني منذ 25 عاما من “الشحار والتعتير” ان تدير بالها علينا وان تعطينا المياه والكهرباء. اشتري المياه التي انقلها من كفركلا، من مسافة ثلاثة ارباع الساعة بالتراكتور، وننتظر دورنا اكثر من ساعتين حتى نحصل عليه، وتصل الى البيت بعشرين ألف ليرة وهي صالحة للشرب. العائلة وان “شحتفت” على حالها تحتاج الى نحو 20 برميلا كل يومين، هناك عائلات تشتري نقلتين أو ثلاث نقلات في الأسبوع أحيانا، لماذا تذهب مياه مشروع الليطاني هدرا ولا يرحموا الناس من خلال ترميمه وتأهيله؟”.

يقول مسن من حولا: “لا مي ولا كهربا، من أول الشتاء لآخره، الناس تشتري المياه، كنا نشرب من آبار الجمع، من الله، “مية الله نشربها” لكن الأهالي يشترون المياه حاليا، “أوصيت” على نقلة ب 75 ألف ليرة، وبكرا سوف تصل شو رأيك؟”.

أما كاظم فاضل من حولا عينها فيقول: “نشتري نقلة المياه ب 35 ألف ليرة، هذا عدا عن الاشتراكات التي تدفعها الناس ولا تصل المياه اليها. نريد أن نعرف كيف سنعيش وعلى أي مخدة سوف ننام، النائب يأكل ويشرب و”معاشو ماشي” اذا كان النواب لا يريدون مصلحة هذا الشعب فليقولوا له هذا بصراحة، شو بدو يحكي الواحد؟”.

وشرح حسين موسى عطوي مأساة ميس الجبل في المياه: “عندنا بئر ارتوازية موصولة بقساطل الى خزان البلدة، لكنها لا تصل بشكل كاف، وتنقطع أحيانا أكثر من عشرين يوما، نضطر الى شراء المياه من السيارات بمبلغ 70 أو 80 ألف ليرة، واحيانا بمئة ألف ليرة بحسب سعة السيارة ونحن على هذه الحال منذ أيار الماضي، وقبله، أكثر من سنة ونحن نعيش على هذا الوضع”.

وتتكرر القصة عينها بتفاصيلها المحزنة والمؤلمة في محيبيب، وفي بلديا، وتتعاظم في عيترون التي يشتري أهلها المياه من صديقين أحيانا البعيدة أكثر من عشرة كيلومترات وبمبالغ أثقلت ميزانياتهم وهم يعتاشون من الزراعة كمورد أساسي لمعظمهم.

أما مدينة بنت جبيل فما زالت تتخبط بالمشاريع “الوهمية” أو شبه الوهمية، أو تلك التي تسير مشي السلحفاة. وعلى الرغم من الوعود المتكررة والاجتماعات المتتالية والتي كان آخرها في أواخر آذار الماضي، فما زالت المدينة تنتظر فرج المياه التي كانت تصلها هي وجاراتها قبل التحرير من أنابيب اسرائيلية وتدخل الى المنازل بواسطة عدادات ركبها الاحتلال ويستوفي هو رسومها.

موضوع شائك

ويقول أمين سر لجنة إنماء بنت جبيل الأستاذ الجامعي الدكتور مصطفى بزي: “موضوع المياه من المواضيع الشائكة والحساسة في مدينة بنت جبيل وكل القرى والبلدات المحررة، قبل التحرير كان المسؤولون يطمئنوننا بأنهم أعدوا الخرائط والمشاريع وسوف تبدأ ورش العمل فورا بعد اندحار العدو، لكن وللأسف الشديد فوجئنا أن لا خطط ولا دراسات ولا أي شيء مهيأ لهذه الأمور ولغيرها. ما يهمنا في شكل أساسي موضوع المياه لأنه حيوي جدا، قطعت المياه عن بنت جبيل فرفعنا الصوت عاليا. كل المسؤولين الذين شرفوا الى هنا كنا نطالبهم أولا بموضوع المياه، جميع الرؤساء والوزراء والنواب من دون استثناء. اقترح اقامة 3 آبار ارتوازية: واحدة في أول عيترون لكنها نشفت أو جاءت مياهها كبريتية، والثانية في صف الهوا لم يشغل بها، أما الثالثة فكانت تحت صف الهوا بين كونين وبنت جبيل في منطقة خلة المزرعة، جرى العمل بها وبعد مرور عدة شهور ثبت أن لا مياه فيها. بعدها عمل مجلس الجنوب جاهدا في سبيل ايصال المياه من منطقة صديقين عبر كفرا، وهذا يحل جزءا من المشكلة لأن بنت جبيل مدينة وازداد عديد سكانها بعد التحرير. هناك أحياء لم تصلها المياه ولا توجد فيها حتى شبكة مياه، وتم بناء خزان آخر في منطقة عقبة مارون بالتعاون بين جمعية الشبان المسيحية ومجلس الجنوب وحل ذلك جزءا من المشكلة”.

ويضيف الدكتور بزي: “كان هناك مشروع لمد شبكة للمياه في بنت جبيل قبل سنتين من التحرير، مع الأسف الشديد، المراقبة لم تكن موجودة نهائيا، موظفون تابعون لمؤسسات رسمية لم يلتزموا بشكل فعلي بمراقبة المشروع الذي كلف مليونا ومئتي ألف دولار اميركي، الهدر كان كبيرا ولم يعمل بأكثر من 300 ألف دولار والباقي ذهب الى جيوب البعض،وتبين لاحقا ان الشبكة هذه لم تكن صالحة لشيء. بعد التحرير مدت شبكة جديدة لعدد من الاحياء، وكانت النتيجة المزيد من الأعطال، وهناك ورشة من مجلس الجنوب تقوم منذ نحو عشرة اشهر على اصلاح الأعطال فقط، كثيرون من أبناء البلدة يشربون حاليا من مياه يشترونها من صهاريج المياه، كمية المياه لا تضخ الى بنت جبيل بشكل كاف إذ كنا ننتظر ضخ ثلاثة أيام في الأسبوع على ان تكون الكمية بحدود 300 متر مكعب في اليوم، لكن لم يصلنا سوى ضخ يوم واحد وهذا غير كاف لا سيما أننا في فصل الصيف”.

أزمة خانقة

في كفرشوبا الازمة خانقة جدا، والاهالي بانتظار بعض الوعود التي قطعت لمشاريع لم تكن الى الآن سوى حبر على ورق، او حتى سوى كلام فقط.

وتغص الطريق الى نبع الجوز في شبعا بالسيارات الحاضنة للصهاريج وبالبغال المحملة غالونات، في محاذاة مشروع حديث من الاسمنت الضخم غايته حفظ مجرى النبع، فكانت النتيجة ان جاء بارتفاع غرفة تمتد مئات الأمتار فأساء هذا المشروع غير المدروس الى النهر والطبيعة وشوه الطريق والمجرى. وكل هذا لم يرو عطش البلدة واهلها، فاضطروا الى شراء المياه، ومن أتى لقضاء موسم الصيف سرعان ما غادر هربا من الأزمة.

وتحدث باسم الاهالي رئيس هيئة إنماء العرقوب يحيى علي عن شح المياه بسبب قلة الأمطار، “لكن لا توجد بلدية في شبعا حتى تستطيع أن تقنن المياه او تعيّرها حتى تصل الى كل البيوت، وفي شبعا “كلمن إيدو إلو” من هنا نلاحظ حاجة الاهالي الى المياه وبدأوا يشترونها ويدفعون ثمن “السترن” الواحد مبلغ ثلاثين ألف ليرة في بلدة المياه، وهذا بسبب الاهمال، لذلك نطالب بمد شبكات للمياه وتركيب العيارات والتشدد في الرقابة”.

يغفو ابناء القرى المحررة التواقة الى الدولة على عطش المياه ويصحون على الاهمال وغياب المؤسسات الرسمية التي يجب ان ترعى المشاريع التي تشفي الغليل وتروي الظمأ، ولم يذبح عيون القرى وينابيعها غير الابر الفوضوية التي تدق عنق الحقول برعاية رسمية منعت مؤخرا حفرها لكن سمحت بتأهيل بعضها غير الموجود أصلا، شحت المياه في الينابيع والعيون او نضبت، ولم يكن يتصور ابناء مرجعيون ومنطقتها ان يصلوا الى يوم لا يجدون مياها في نبع الحمام الذي كان أغرزها، وكذلك الامر في كفركلا التي شحت عيونها قبل الأوان بعد هجمة الآبار الارتوازية، فمن المسؤول ومن يروي عطش القرى؟ 


المياه في جنوب لبنان (مقالات وأبحاث وآراء)

لماذا الجنوب منطقة الحلوق والحقول العطشى؟  

 


 

     إبحث في موقع بنت جبيل

Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic